اسرار ترتيب القران - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٦٠
بالمغضوب عليهم والضالين الذين فرقوا بين الأنبياء؛ ولذلك عقبها بقوله: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} "١٣٧" أي: إلى الصراط المستقيم، صراط المنعَم عليهم كما اهتديتم[١].
فهذا ما ظهر لي، والله أعلم بأسرار كتابه.
الوجه الثاني: أن الحديث والإجماع على تفسير {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} باليهود، والضالين بالنصارى[٢]، وقد ذكروا في سورة الفاتحة على حسب ترتيبهم في الزمان، فعقب بسورة البقرة، وجميع ما فيها [من] خطاب أهل الكتاب لليهود خاصة، وما وقع فيها من ذكر النصارى لم يقع بذكر الخطاب[٣].
ثم بسورة آل عمران، وأكثر ما فيها من خطاب أهل الكتاب للنصارى[٤]؛ فإن ثمانين آية من أولها نازلة في وفد نصارى نجران، كما ورد في سبب نزولها[٥]، وختمت بقوله: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} "آل عمران: ١٩٩"، وهي في النجاشي وأصحابه من
[١] نظم الدرر في تناسب الآيات والسور "١/ ١٢" وما بعدها، ومصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور "٢/ ٦٧" وما بعدها.
[٢] أخرج أحمد في مسنده "٤/ ٣٧٨" والترمذي "٨/ ٢٨٦-٢٨٨" بتحفة الأحوذي تفسير النبي -صلى الله عليه وسلم- للمغضوب عليهم والضالين: باليهود والنصارى عن عدي بن حاتم. وانظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير "١/ ٤٦".
[٣] وإنما جاء على أسلوب الخبر؛ كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} "٦٢"، وقوله: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} "١١١" الآية.
[٤] في "ظ": "خطابهم للنصارى".
[٥] انظر: تفسير القرآن العظيم "٢/ ٤٠" لمعرفة سبب النزول، وقصة وفد نجران في سيرة ابن هشام "١/ ٥٧٣" وما بعدها.