اسرار ترتيب القران - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ١٠٦
قلت: لما لم يقع الجواب عن الأول بالبيان[١]، ناسب فصله في سورة.
ثم ظهر لي وجه آخر: وهو أنه لما قال فيها: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} "الإسراء: ٨٥"، والخطاب لليهود، واستظهر على ذلك بقصة موسى في بني إسرائيل مع الخضر، التى كان سببها ذكر العلم والأعلم[٢]، وما دلت عليه من إحاطة[٣] معلومات الله عز وجل التي لا تحصى، فكانت هذه السورة كإقامة الدليل لما ذكر من الحِكَم[٤].
وقد ورد في الحديث أنه لما نزل: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} قال اليهود: قد أوتينا التوراة، فيها علم كل شيء؛ فنزل: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} "١٠٩" في هذه السورة[٥]، فهذا وجه آخر في المناسبة، وتكون السورة من هذه الجهة جوابًا عن شبهة الخصوم فيما قدر بتلك.
وأيضًا فلما قال هناك: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} "الإسراء: ١٠٤" شرح ذلك هنا وبسطه بقوله: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ} إلى {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا، وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا} "٩٨-١٠٠"، فهذه وجوه عديدة في الاتصال[٦].
[١] لم يقع الجواب بالبيان؛ وإنما وقع بإسناد علم الروح إلى الله: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} "الإسراء: ٨٥".
[٢] أخرجه الإمام أحمد في المسند "١/ ٢٥٥" وفيه: "أوتينا علمًا كثيرًا، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا".
[٣] في "ظ": "كثرة".
[٤] في "ظ": "في تلك السورة".
[٥] وفي رواية لابن جرير في التفسير "١٥/ ١٠٤" فنزلت: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ} "لقمان: ٢٧" الآية، وانظر: أسباب النزول، للنيسابوري "١٧٢"، والسيوطي "١٧٩".
[٦] نظم الدرر "٤/ ٤٤١" وما بعدها.