تفسير الطبري جامع البيان - ط هجر - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥١٥
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: {§فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} [المائدة: ٥٢] حِينَئِذٍ , يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا: أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ إِيمَانِهِمْ , إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ , حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ -[٥١٦]- كَذَلِكَ ذَلِكَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِغَيْرِ وَاو وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: {وَيَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: ٥٣] بِالْوَاوِ , وَنَصْبُ يَقُولُ عَطْفًا بِهِ عَلَى: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ , وَذَكَرَ قَارِئُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ , وَعَسَى أَنْ يَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا. ومُحَالٌ غَيْرُ ذَلِكَ , لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا , وَكَانَ يَقُولُ: ذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِمْ: أَكَلْتُ خُبْزًا وَلَبَنًا , وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الكامل]
وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ الْمُؤْمِنِينَ , أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ يُدِيلُهُمْ بِهِ عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ مِنْ أَعْدَائِهِمْ , فَيُصْبِحُ الْمُنَافِقُونَ عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ , وَعَسَى أَنْ يَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا حِينَئِذٍ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ كَذِبًا جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ. وَهِيَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِالْوَاوِ: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: ٥٣] وَقَرَأَ ذَلِكَ قُرَّاءُ الْكُوفِيِّينَ: {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: ٥٣] بِالْوَاوِ وَرَفَعَ يَقُولُ بِالِاسْتِقْبَالِ وَالسَّلَامَةِ مِنَ الْجَوَازِمِ وَالنَّوَاصِبِ. وَتَأْوِيلُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ: فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ يَنْدَمُونَ , وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا؛ فَيَبْتَدِئُ يَقُولُ فَيَرْفَعُهَا. وقِرَاءَتُنَا الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا: {وَيَقُولُ} [المائدة: ٥٣] بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ فِي: وَيَقُولُ , لِأَنَّهَا كَذَلِكَ -[٥١٧]- هِيَ فِي مَصَاحِفِنَا مَصَاحِفِ أَهْلِ الشَّرْقِ بِالْوَاوِ , وَبِرَفْعِ يَقُولُ عَلَى الِابْتِدَاءِ. فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذْ كَانَ الْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا عَلَى مَا وَصَفْنَا: فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ , وَيَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ: أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَلَفُوا لَنَا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ كَذِبًا إِنَّهُمْ لَمَعَنَا. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ حَالِهِمْ عِنْدَهُ بِنِفَاقِهِمْ وَخُبْثِ أَعْمَالِهِمْ: {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [المائدة: ٥٣] يَقُولُ: " ذَهَبَتْ أَعْمَالُهُمُ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا بَاطِلًا لَا ثَوَابَ لَهَا وَلَا أَجْرَ , لِأَنَّهُمْ عَمِلُوهَا عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ مِنْهُمْ بِأَنَّهَا عَلَيْهِمْ لِلَّهِ فَرْضٌ وَاجِبٌ وَلَا عَلَى صِحَّةِ إِيمَانٍ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ , وَإِنَّمَا كَانُوا يَعْمَلُونَهَا لِيَدْفَعُوا الْمُؤْمِنِينَ بِهَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ , فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَجْرَهَا إِذْ لَمْ تَكُنْ لَهُ {فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: ٥٣] يَقُولُ: " فَأَصْبَحَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ عِنْدَ مَجِيءِ أَمْرِ اللَّهِ بِإِدَالَةِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ قَدْ وُكِسُوا فِي شِرَائِهِمُ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ , وَخَابَتْ صَفْقَتُهُمْ وَهَلَكُوا