تفسير الطبري جامع البيان - ط هجر - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٢٤
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: ٨] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {اعْدِلُوا} [المائدة: ٨] أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ وَلِيًّا لَكُمْ كَانَ أَوْ عَدُوًّا , فَاحْمِلُوهُمْ عَلَى مَا أُمِرْتُمْ أَنْ تَحْمِلُوهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِي , وَلَا تَجُورُوا بِأَحَدٍ مِنْهُمْ عَنْهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: ٨] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: هُوَ الْعَدْلُ عَلَيْهِمْ أَقْرَبُ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ إِلَى التَّقْوَى , يَعْنِي: إِلَى أَنْ تَكُونُوا عِنْدَ اللَّهِ بِاسْتِعْمَالِكُمْ إِيَّاهُ مِنْ أَهْلِ التَّقْوَى , وَهُمْ أَهْلُ الْخَوْفِ وَالْحَذَرِ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُخَالِفُوهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ , أَوْ يَأْتُوا شَيْئًا مِنْ مَعَاصِيهِ. وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْعَدْلَ بِمَا وَصَفَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى مِنَ الْجَوْرِ , لِأَنَّ مَنْ كَانَ عَادِلًا كَانَ لِلَّهِ بِعَدْلِهِ مُطِيعًا , وَمَنْ كَانَ لِلَّهِ مُطِيعًا كَانَ لَا شَكَّ مِنْ أَهْلِ التَّقْوَى , وَمَنْ كَانَ جَائِرًا كَانَ لِلَّهِ عَاصِيًا , وَمَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِيًا كَانَ بَعِيدًا مِنْ تَقْوَاهُ. وَإِنَّمَا كَنَّى بِقَوْلِهِ: {هُوَ أَقْرَبُ} [المائدة: ٨] عَنِ الْفِعْلِ , وَالْعَرَبُ تُكْنِي عَنِ الْأَفْعَالِ إِذَا كَنَتْ عَنْهَا بِهُوَ وَبِذَلِكَ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: ٢٧١] {ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ} [البقرة: ٢٣٢] وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ «هُوَ» لَكَانَ أَقْرَبُ نَصْبًا ,