تفسير الطبري جامع البيان ت شاكر - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٩٨
"إلا أن قالوا والله ربّنا ما كنا مشركين"، كذبًا منهم في أيمانهم على قِيلهم ذلك.
* * *
ثم اختلف القرأة في قراءة ذلك.
فقرأته جماعة من قرأة المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ) بالتاء، بالنصب، [١] بمعنى: لم يكن اختبارَناهم لهم إلا قيلُهم [٢] "والله ربنا ما كنا مشركين" = غير أنهم يقرءون"تكن" بالتاء على التأنيث. وإن كانت للقول لا للفتنة، لمجاورته الفتنة، وهي خبر. [٣] وذلك عند أهل العربية شاذٌ غير فصيح في الكلام. وقد روي بيتٌ للبيد بنحو ذلك، وهو قوله:
فَمَضَى وَقَدَّمَهَا، وكانت عادةً ... مِنْهُ إذا هيَ عَرَّدَتْ إقْدَامُهَا [٤]
فقال:"وكانت" بتأنيث"الإقدام"، لمجاورته قوله:"عادة".
* * *
وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفيين: (ثُمَّ لَمْ يَكُنْ) بالياء، (فِتْنَتَهُمْ) بالنصب، (إلا أَنْ قَالُوا) ، بنحو المعنى الذي قصده الآخرون الذين ذكرنا قراءتهم.
غير أنهم ذكَّروا"يكون" لتذكير"أن". [٥]
قال أبو جعفر: وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصواب، لأن"أنْ" أثبت في المعرفة من"الفتنة". [٦]
* * *
[١] في المطبوعة، حذف قوله: "بالتاء"، لغير طائل.
[٢] في المطبوعة: "اختبارنا لهم"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو فصيح العربية.
[٣] انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٨٨.
[٤] من معلقته الباهرة. وانظر ما قاله ابن الشجري في الآية والبيت في أماليه ١: ١٣٠.
والضمير في قوله: "فمضى" إلى حمار الوحش، وفي قوله: "وقدمها" إلى أتنه التي يسوقها إلى الماء.
و"عردت": فرت، وعدلت عن الطريق التي وجهها إليها. وشعر لبيد لا يفصل بعضه عن بعض في هذه القصيدة، فلذلك لم أذكر ما قبله وما بعده. فراجع معلقته.
[٥] انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١: ١٨٨.
[٦] أغفل أبو جعفر قراءة الرقع في"فتنتهم"، وهي قراءتنا في مصحفنا، قراءة حفص. وأنا أرجح أن أبا جعفر أغفلها متعمدًا، وقد استوفى الكلام في هذه الآية ونظائرها فيما سلف ٧: ٢٧٣-٢٧٥. وانظر تفسير أبي حيان ٤: ٩٥.