تفسير البغوي طيبه - البغوي ، أبو محمد - الصفحة ٤٨٠
وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لْأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، وَلِأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ، قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي، [عَزَمَ] [١] لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَمَا فَجَأَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ، عَلَى عَقِبَيْهِ، وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، قَالَ فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ يَا أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ، وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ -لَا نَدْرِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ شَيْءٍ بَلَغَهُ-: "كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى" الْآيَاتِ [٢] .
وَمَعْنَى "أَرَأَيْتَ" هَاهُنَا تَعْجِيبٌ لِلْمُخَاطَبِ. وَكَرَّرَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لِلتَّأْكِيدِ:
{أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) }
أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ إِلَى الْهُدَى يَعْنِي الْعَبْدَ الْمَنْهِيَّ وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى} يَعْنِي بِالْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ. {أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ} يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ، {وَتَوَلَّى} عَنِ الْإِيمَانِ.
وَتَقْدِيرُ نَظْمِ الْآيَةِ: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى [وَالْمَنْهِيُّ] [٣] عَلَى الْهُدَى، آمِرٌ بِالتَّقْوَى، وَالنَّاهِي مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ عَنِ الْإِيمَانِ، فَمَا أَعْجَبَ مِنْ هَذَا! {أَلَمْ يَعْلَمْ} يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ، {بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} ذَلِكَ فَيُجَازِيهِ بِهِ. {كَلَّا} لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ} عَنْ إِيذَاءِ [نَبِيِّهِ] [٤] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَكْذِيبِهِ، {لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ} لَنَأْخُذُنَّ بِنَاصِيَتِهِ فَلْنَجُرَّنَّهُ إِلَى النَّارِ، كَمَا قَالَ "فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ" (الرَّحْمَنِ -٤١) يُقَالُ: سَفَعْتُ، بِالشَّيْءِ، إِذَا أَخَذْتُهُ وَجَذَبْتُهُ جَذْبًا شَدِيدًا، وَ"النَّاصِيَةُ": شَعْرُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ. ثُمَّ قَالَ عَلَى الْبَدَلِ: {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} أَيْ صَاحِبُهَا كَاذِبٌ خَاطِئٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَهَى أَبُو جَهْلٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ انْتَهَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ أَتَنْهَرُنِي [يَا مُحَمَّدُ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا بِهَا أَكْثَرُ نَادِيًا مِنِّي؟ ثُمَّ قَالَ] : [٥] فَوَاللَّهِ لَأَمْلَأَنَّ عَلَيْكَ هَذَا الْوَادِي إِنْ شِئْتَ خَيْلًا جُرْدًا وَرِجَالًا مُرْدًا [٦] .
[١] في "ب" زعم.
[٢] أخرجه مسلم في صفات المنافقين، باب قوله (إن الإنسان ليطغى) برقم: (٢٧٩٧) : ٤ / ٢١٥٤.
[٣] في "ب" وهو.
[٤] في "ب" محمد.
[٥] ما بين القوسين ساقط من "ب".
[٦] انظر: الطبري: ٣٠ / ٢٥٥.