تفسير البغوي طيبه - البغوي ، أبو محمد - الصفحة ٢٨٢
وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَالْخَلِيلُ "بَرِقَ" -بِالْكَسْرِ -أَيْ: فَزِعَ وَتَحَيَّرَ لِمَا يَرَى مِنَ الْعَجَائِبِ [١] وَ"بَرَقَ" بِالْفَتْحِ، أَيْ: شَقَّ عَيْنَهُ وَفَتَحَهَا، مِنَ الْبَرِيقِ، وَهُوَ التَّلَأْلُؤُ [٢]
{وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) }
{وَخَسَفَ الْقَمَرُ} أَظْلَمَ وَذَهَبَ نُورُهُ وَضَوْءُهُ. {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} أَسْوَدَيْنِ مُكَوَّرَيْنِ كَأَنَّهُمَا ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ. وَقِيلَ: يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي ذَهَابِ الضِّيَاءِ. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ: يُجْمَعَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يُقْذَفَانِ فِي الْبَحْرِ فَيَكُونَانِ نَارَ اللَّهِ الْكُبْرَى. {يَقُولُ الْإِنْسَانُ} أَيِ الْكَافِرُ الْمُكَذِّبُ {يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ} أَيْ: الْمَهْرَبُ وَهُوَ مَوْضِعُ الْفِرَارُ. [وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ، أَيْ: أَيْنَ الْفِرَارُ] [٣] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كَلَّا لَا وَزَرَ} لَا حِصْنَ وَلَا حِرْزَ وَلَا مَلْجَأَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَا جَبَلَ وَكَانُوا إذا فزعوا لجؤوا إِلَى الْجَبَلِ فَتُحَصَّنُوا بِهِ. [فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى] [٤] لَا جَبَلَ يَوْمَئِذٍ يَمْنَعُهُمْ. {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} أَيْ مُسْتَقَرُّ الْخَلْقِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: الْمَصِيرُ وَالْمَرْجِعُ، نَظِيرُهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: "إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى" (الْعَلَقِ-٨) "وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ" (آلِ عِمْرَانَ-٢٨) (النُّورِ-٤٢) (فَاطِرٍ-١٨) .
وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْمُنْتَهَى، نَظِيرُهُ: "وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى" (النَّجْمِ-٤٢) . {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} [قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: "بِمَا قَدَّمَ" [٥] ] قَبْلَ مَوْتِهِ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ وَسَيِّئٍ، وَمَا أَخَّرَ: بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ سُنَّةٍ حَسَنَةٍ أَوْ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُ بِهَا.
وَقَالَ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "بِمَا قَدَّمَ" مِنَ الْمَعْصِيَةِ "وَأَخَّرَ" مِنَ الطَّاعَةِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: بِمَا قَدَّمَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَأَخَّرَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فَضَيَّعَهُ.
[١] راجع معاني القرآن للفراء: ٣ / ٢٠٩.
[٢] قال ابن جرير: ٢٩ / ١٧٩ "أولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب كسر الراء (فإذا برق) بمعنى: فزع فشق وفتح من هول القيامة وفزع الموت، وبذلك جاءت أشعار العرب. أنشدني بعض الرواة عن أبي عبيدة الكلابي: لما أتاني ابن صبيح راغبا ... أعطيته عيساء منها فبرق.
[٣] ما بين القوسين ساقط من "أ".
[٤] في "ب" فقال: قل.
[٥] ما بين القوسين ساقط من "أ".