تفسير البغوي طيبه - البغوي ، أبو محمد - الصفحة ١٥٢
تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا" [١] .
{إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} قَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: "بَالِغُ أَمْرِهِ" بِالْإِضَافَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ "بَالِغٌ" [بِالتَّنْوِينِ] [٢] "أَمْرَهُ" نُصِبَ أَيْ مُنَفِّذٌ أَمْرَهُ مُمْضٍ فِي خَلْقِهِ قَضَاءَهُ. {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} أَيْ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ أَجَلًا يَنْتَهِي إِلَيْهِ.
قَالَ مَسْرُوقٌ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ "إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ" تَوَكَّلَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَتَوَكَّلْ، غَيْرَ أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ عَلَيْهِ يُكَفِّرُ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمُ لَهُ أَجْرًا.
{وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) }
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ} فَلَا تَرْجُونَ أَنْ يَحِضْنَ {إِنِ ارْتَبْتُمْ} أَيْ شَكَكْتُمْ فَلَمْ تَدْرُوا مَا عِدَّتُهُنَّ {فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ}
قَالَ مُقَاتِلٌ: لَمَّا نَزَلَتْ: "وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ" (الْبَقَرَةِ-٢٢٨) قَالَ خَلَّادُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا عِدَّةُ مَنْ لَا تَحِيضُ وَالَّتِي لَمْ تَحِضْ وَعِدَّةُ الْحُبْلَى؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: "وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ" [٣] يَعْنِي الْقَوَاعِدَ اللَّائِي قَعَدْنَ عَنِ الْحَيْضِ "إِنِ ارْتَبْتُمْ" شَكَكْتُمْ فِي حُكْمِهَا "فَعدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ".
{وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} يَعْنِي الصِّغَارَ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ فَعِدَّتُهُنَّ أَيْضًا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ. أَمَّا الشَّابَّةُ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فَارْتَفَعَ حَيْضُهَا قَبْلَ بُلُوغِهَا سِنَّ الْآيِسَاتِ: فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ عِدَّتَهَا لَا تَنْقَضِي حَتَّى يُعَاوِدَهَا الدَّمُ فَتَعْتَدَّ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ أَوْ تَبْلُغَ سِنَّ الْآيِسَاتِ فَتَعْتَدَّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ. وَهُوَ
[١] أخرجه الترمذي في الزهد، باب ما جاء في الزهادة في الدنيا: ٧ / ٨ وقال: "هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه" وابن ماجه في الزهد، باب التوكل واليقين برقم: (٤١٦٤) ٢ / ١٣٩٤، والإمام أحمد: ١ / ٣٠، والطيالسي في مسنده ص (١١) وصححه الحاكم: ٤ / ٣١٨، ووافقه الذهبي، وابن حبان ص (٦٣٣) من موارد الظمآن، وابن أبي الدنيا في كتاب التوكل برقم:[١] والمصنف في شرح السنة: ١٤ / ٣٠١. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم: (٣١٠) .
[٢] ساقط من "أ".
[٣] انظر: أسباب النزول للواحدي صفحة: (٥٠٣) . وراجع أحكام القرآن للشافعي: ١ / ٣٢٤.