تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٧٦
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج والعَوْفَيّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ إِسْرَائِيلُ -وَهُوَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ-يَعْتَريه عِرق النَّسَا بِاللَّيْلِ، وَكَانَ [١] يُقْلِقُهُ ويُزعِجه عَنِ النَّوْمِ، ويُقْلعُ الوَجَعُ عَنْهُ بِالنَّهَارِ، فَنَذَرَ لِلَّهِ لَئِنْ عَافَاهُ اللَّهُ لَا يَأْكُلُ عِرْقًا وَلَا يأكل ولد ما له عِرْق.
وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ. كَذَا حَكَاهُ وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ. قَالَ: فاتَّبعه بَنُوه فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ استنَانًا بِهِ وَاقْتِدَاءً بِطَرِيقِهِ. قَالَ: وَقَوْلُهُ: {مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنزلَ التَّوْرَاةُ} أَيْ: حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ.
قُلْتُ: وَلِهَذَا السِّيَاقِ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ مُنَاسَبَتَانِ [٢] .
إِحْدَاهُمَا: أَنْ إِسْرَائِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَرَّمَ أَحَبَّ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ وَتَرَكَهَا لِلَّهِ، وَكَانَ هَذَا سَائِغًا فِي شَرِيعَتِهِمْ [٣] فَلَهُ مُنَاسَبَةٌ بَعْدَ قَوْلِهِ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} فَهَذَا هُوَ الْمَشْرُوعُ عِنْدَنَا وَهُوَ الْإِنْفَاقُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ مِمَّا يحبُّه الْعَبْدُ وَيَشْتَهِيهِ، كَمَا قَالَ: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} [الْبَقَرَةِ:١٧٧] وَقَالَ {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} [الْإِنْسَانِ:٨] .
الْمُنَاسَبَةُ الثَّانِيَةُ: لمَّا تَقَدَّمَ السِّيَاقُ فِي الرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى، وَاعْتِقَادِهِمُ الْبَاطِلِ فِي الْمَسِيحِ وَتَبَيَّنَ زَيْف مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ. وَظُهُورُ [٤] الْحَقِّ وَالْيَقِينِ فِي أَمْرِ عِيسَى وَأُمِّهِ، وَكَيْفَ خَلَقَهُ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَبَعَثَهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ يَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ تَعَالَى -شَرَع فِي الرَّدِّ عَلَى الْيَهُودِ، قَبَّحهم اللَّهُ، وَبَيَانِ أَنَّ النَّسْخ الَّذِي أَنْكَرُوا وُقُوعَهُ وَجَوَازَهُ قَدْ وَقَعَ، فَإِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، قَدْ نَصَّ فِي كِتَابِهِمُ التَّوْرَاةِ أَنَّ نُوحًا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ جَمِيعَ دَوَابِّ الْأَرْضِ يَأْكُلُ مِنْهَا، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ لُحْمان الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا، فَاتَّبَعَهُ بَنُوهُ فِي ذَلِكَ، وَجَاءَتِ التَّوْرَاةُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَأَشْيَاءَ أُخَرَ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ. وَكَانَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، قَدْ أَذِنَ لِآدَمَ فِي تَزْوِيجِ بَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ، وَقَدْ حرَّم ذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَكَانَ التَّسَرِّي عَلَى الزَّوْجَةِ مُبَاحًا فِي شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ فَعَلَهُ [الْخَلِيلُ] [٥] إِبْرَاهِيمُ فِي هَاجَرَ لَمَّا تسرَّى بِهَا عَلَى سَارَّةَ، وَقَدْ حُرِّم مِثْلُ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ عَلَيْهِمْ. وَكَذَلِكَ كَانَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ شَائِعًا [٦] وَقَدْ فَعَلَهُ يَعْقُوبُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، جَمَعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، ثُمَّ حُرِّم ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ. وَهَذَا كُلُّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي التَّوْرَاةِ عِنْدَهُمْ، فَهَذَا هُوَ النَّسْخُ بِعَيْنِهِ، فَكَذَلِكَ [٧] فَلْيَكُنْ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لِلْمَسِيحِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي إِحْلَالِهِ بَعْضَ مَا حَرَّمَ فِي التَّوْرَاةِ، فَمَا بَالُهُمْ لَمْ يَتْبَعُوهُ؟ بَلْ كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ؟ وَكَذَلِكَ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الدِّينِ الْقَوِيمِ، وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، ومِلَّة أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ فَمَا بَالُهم [٨] لَا يُؤْمِنُونَ؟ وَلِهَذَا قَالَ [تَعَالَى] [٩] {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنزلَ التَّوْرَاةُ} أَيْ: كَانَ حِلا [١٠] لَهُمْ جميعُ الْأَطْعِمَةِ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ إِلَّا مَا حرَّمه إِسْرَائِيلُ، ثُمَّ قَالَ: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ؛ فَإِنَّهَا نَاطِقَةٌ بِمَا قُلْنَاهُ {فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}
[١] في جـ، أ، و: "فكان".
[٢] في ر:"مناسبات".
[٣] في جـ، أ، و: "شرعهم".
[٤] في ر، أ، و: "ظهر".
[٥] زيادة من أ.
[٦] في أ، و: "سائغا".
[٧] في أ: "فلذلك".
[٨] في جـ، ر، أ، و: "فما لهم".
[٩] زيادة من أ، و.
[١٠] في و: "حلالا".