تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٥٩
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤) }
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ حَسَدَ الْيَهُودِ لِلْمُؤْمِنِينَ وبَغْيهم إِيَّاهُمُ الْإِضْلَالَ، وَأَخْبَرَ [١] أنَّ وَبَالَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَعُودُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّهُمْ [٢] مَمْكُورٌ بِهِمْ.
ثُمَّ قَالَ [٣] تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} أَيْ: تَعْلَمُونَ صِدْقَهَا وَتَتَحَقَّقُونَ حَقَّهَا {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أَيْ: تَكْتُمُونَ مَا فِي كُتُبِكُمْ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَلِكَ وَتَتَحَقَّقُونَهُ.
{وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ [لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] [٤] } هَذِهِ مَكِيدَةٌ أَرَادُوهَا ليلْبسُوا عَلَى الضُّعَفَاءِ مِنَ النَّاسِ أمْر دِينِهِمْ، وَهُوَ أَنَّهُمُ اشْتَوروا بَيْنَهُمْ أَنْ يُظْهِرُوا الْإِيمَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ ويُصَلّوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَإِذَا جَاءَ آخِرُ النَّهَارِ ارْتَدُّوا إِلَى دِينِهِمْ لِيَقُولَ الْجَهَلَةُ مِنَ النَّاسِ: إِنَّمَا رَدّهم [٥] إِلَى دِينِهِمُ اطّلاعهُم عَلَى نَقِيصَةٍ وَعَيْبٍ فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِهَذَا قَالُوا: {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} .
قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْيَهُودِ بِهَذِهِ الْآيَةِ: يَعْنِي يَهُودَ، صَلَّت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْفَجْرِ وَكَفَرُوا آخِرَ النَّهَارِ، مَكْرًا مِنْهُمْ، ليُرُوا النَّاسَ أَنَّ قَدْ بَدَتْ لَهُمْ مِنْهُ الضَّلَالَةُ، بَعْدَ أَنْ كَانُوا اتَّبِعُوهُ.
وَقَالَ العَوْفِي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: إِذَا لَقِيتُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ أَوَّلَ النَّهَارِ فَآمِنُوا، وَإِذَا كَانَ آخِرُهُ فَصَلّوا صَلَاتَكُمْ، لَعَلَّهُمْ يَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكِتَابِ وَهُمْ أَعْلَمُ مِنَّا. [وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَالرَّبِيعِ وَأَبِي مَالِكٍ] [٦] .
وَقَوْلُهُ: {وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} أَيْ: لَا تَطْمَئِنُّوا وتظهروا سركم وما عندكم إلا لمن اتبع دِينَكُمْ وَلَا تُظْهِرُوا مَا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيُؤْمِنُوا بِهِ وَيَحْتَجُّوا [٧] بِهِ عَلَيْكُمْ؛ قَالَ اللَّهُ تعالى: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ}
[١] في أ: "فأخبر".
[٢] في ر: "فهم".
[٣] في جـ: "وقال".
[٤] زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية".
[٥] في جـ، أ، و: "رجعهم".
[٦] زيادة من جـ، أ، و.
[٧] في جـ، أ، و: "يحتجون".