تفسير ابن كثير - ت سلامه - ابن كثير - الصفحة ٤٤
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِشَارَةَ الْمَلَائِكَةِ لَهَا بِذَلِكَ، عَنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، قَالَتْ فِي مُنَاجَاتِهَا: {رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} تَقُولُ: كَيْفَ يُوجَدُ هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي وَأَنَا لَسْتُ بِذَاتِ زَوْجٍ وَلَا مِنْ عَزْمِي أَنْ أَتَزَوَّجَ، وَلَسْتُ بَغيا؟ حَاشَا لِلَّهِ. فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ -عَنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ-: {كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} أَيْ: هَكَذَا أمْرُ اللَّهِ عَظِيمٌ، لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. وَصَرَّحَ هَاهُنَا بِقَوْلِهِ: {يَخْلُقُ} وَلَمْ يَقُلْ: "يَفْعَلُ" كَمَا فِي قِصَّةِ زَكَرِيَّا، بَلْ نَصَّ هَاهُنَا عَلَى أَنَّهُ يَخْلُقُ؛ لِئَلَّا يَبْقَى شُبْهَةً، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} أَيْ: فَلَا يَتَأَخَّرُ [١] شَيْئًا، بَلْ يُوجَدُ عَقِيبَ [٢] الْأَمْرِ بِلَا مُهْلَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} [الْقَمَرِ: ٥٠] أَيْ: إِنَّمَا نَأْمُرُ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا مَثْنَوِيَّةَ فِيهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ سَرِيعًا كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [٣] .
{وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) }
يَقُولُ تَعَالَى -مُخْبِرًا عَنْ تَمَامِ بِشَارَةِ الْمَلَائِكَةِ لِمَرْيَمَ بِابْنِهَا عِيسَى، عَلَيْهِ [٤] السَّلَامُ-أَنَّ اللَّهَ يُعَلِّمُهُ {الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِتَابِ هَاهُنَا الْكِتَابَةُ. وَالْحِكْمَةُ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَفْسِيرِهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٥] .
{وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ} فَالتَّوْرَاةُ: هُوَ الْكِتَابُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ. وَالْإِنْجِيلُ: الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى عِيسَى عَلَيْهِمَا [٦] السَّلَامُ، وَقَدْ كَانَ [عِيسَى] [٧] عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَحْفَظُ هَذَا وَهَذَا.
وَقَوْلُهُ: {وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} أَيْ: [وَ] [٨] يَجْعَلُهُ رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَائِلًا لَهُمْ: {أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ: يُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ شَكْلَ طَيْرٍ، ثُمَّ ينفخُ فِيهِ، فَيَطِيرُ عِيَانًا بِإِذْنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، الَّذِي جَعَلَ هَذَا مُعْجِزَةً يَدُلّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ.
{وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ} قِيلَ: هُوَ الَّذِي يُبْصِرُ نَهَارًا وَلَا يُبْصِرُ لَيْلًا. وَقِيلَ بِالْعَكْسِ. وَقِيلَ: هُوَ الْأَعْشَى. وَقِيلَ: الْأَعْمَشُ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يُولَدُ أَعْمَى. وَهُوَ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي المعجزة وأقوى في التحدي {والأبرص} معروف.
[١] في ر: "ولا تتأخر".
[٢] في جـ، و: "عقب".
[٣] في أ: "البصر".
[٤] في جـ، أ، و: "عليهما".
[٥] الآية رقم ١٢٩.
[٦] في و: "عليه".
[٧] زيادة من جـ، أ.
[٨] زيادة من جـ، أ.