سير اعلام النبلاء - ط الرساله - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ٢١٣
قَالَ: فَقُرَيْشٌ فِي جَاهِليَّتهَا كَانَتْ تَعْرِفُ الله؟
قُلْتُ: لاَ.
قَالَ: فَقَدْ أَخبر الله تَعَالَى عَنْهُم أَنَّهُم قَالُوا: {مَا نَعْبُدُهُم إِلاَّ لِيُقَرِّبُوْنَا إِلَى اللهِ} [الزمر:٣] .
قُلْتُ: لَمَّا أَشركُوا مَعَهُ غَيْرَه قَالُوا: وَإِنَّمَا يَعْرِفُ اللهَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ.
وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافرُوْنَ، لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُوْنَ} [الكَافرُوْنَ:[١] - [٢]] فَلَو كَانُوا يعبدُوْنَهُ مَا قَالَ: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُوْنَ} .
إِلَى أَنْ قَالَ: فَقُلْتُ: المشركُونَ عَبَدَة الأَصْنَامِ الَّذِيْنَ بَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم - إِلَيْهِم عَلِيّاً ليقرأَ عَلَيْهِم سُوْرَة برَاءة [١] .
قَالَ: وَمَا الأَصْنَام؟
قُلْتُ: الحجَارَة.
قَالَ: وَالحجَارَةُ أَتُعْبَد؟
قُلْتُ: نَعَمْ، وَالعُزَّى كَانَتْ تُعْبَد وَهِيَ شَجَرَة، وَالشِّعرَى كَانَتْ تُعبد وَهِيَ نجم.
قَالَ: فَالله يَقُوْلُ: {أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي [٢] إِلاَّ أَنْ يُهْدَى} [يُوْنُس:٣٥] فَكَيْفَ تَقُولُ: إِنَّهَا الحجَارَة؟ وَالحجَارَةُ لاَ تهتدِي إِذَا هُديت، لأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ ذوَاتِ العُقُوْل.
قُلْتُ: أَخْبَرَنَا اللهُ أَنَّ الجُلُودَ تَنْطِقُ وَلَيْسَتْ بذوَاتِ عُقُوْل، قَالَ: نسبَ إِلَيْهَا النُّطْقَ مَجَازاً.
قُلْتُ: مُنْزِلُ القُرْآنِ يَأْبَى ذَلِكَ، فَقَالَ: {اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيْهِمْ} [يس:٦٥] إِلَى أَنْ قَالَ: {قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت:٢١] وَمَا الفرقُ
[١] أخرج البخاري: ٨ / ٢٤٠ ٢٣٨ في أول سورة براءة، من حديث حميد بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
قال حميد: ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب، وأمره أن يؤذن ببراءة.
قال أبو هريرة: فأذن معنا علي يوم النحر في هل منى ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان ".
وانظر " المسند " ٢ / ٢٩٩، والنسائي: ٥ / ٢٣٤، والطبري (١٦٣٧٠) و (١٦٣٧١) و (١٦٣٧٣) و (١٦٣٧٥) و" المستدرك " ٢ / ٣٣١، وابن كثير في " تفسيره " ٢ / ٣٣٢ ٣٣١، والبداية: ٥ / ٣٩ ٣٦.
[٢] بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال المكسورة، وفي آخرها ياء، وهي قراءة حفص.
ولها أيضا قراءات متعددة انظرها في " النشر " ٢ / ٢٨٣.