مرآة العقول - العلامة المجلسي - الصفحة ٢٩٨ - باب الرضا بموهبة الإيمان والصبر على كل شيء بعده
المؤمن إنني لأحب لقاءه ويكره الموت فأصرفه عنه وإنه ليدعوني فأجيبه وإنه ليسألني فأعطيه ولو لم يكن في الدنيا إلا واحد من عبيدي مؤمن لاستغنيت
______________________________________________________
عند الاحتضار من اللطف والكرامة والبشارة بالجنة ما يزيل عنه كراهة الموت ، ويوجب رغبته في الانتقال إلى دار القرار ، فيقل تأذيه به ، ويصير راضيا بنزوله ، وراغبا في حصوله فأشبهت هذه المعاملة معاملة من يريد أن يؤلم حبيبه ألما يتعقبه نفع عظيم ، فهو يتردد في أنه كيف يوصل ذلك الألم إليه على وجه يقل تأذيه ، فلا يزال يظهر له ما يرغبه فيما يتعقبه من اللذة الجسيمة ، والراحة العظيمة إلى أن يتلقاه بالقبول ، ويعده من الغنائم المؤدية إلى إدراك المأمول ، فيكون في الكلام استعارة تمثيلية.
وأما وجوهه عند العامة فهي أيضا ثلاثة :
الأول : أن معناه ما تردد عبدي المؤمن في شيء أنا فاعله كتردده في قبض روحه ، فإنه متردد بين إرادته البقاء وإرادتي للموت ، فأنا ألطفه وأبشره حتى أصرفه عن كراهة الموت ، فأضاف سبحانه تردد نفس وليه إلى ذاته المقدسة كرامة وتعظيما له ، كما يقول غدا يوم القيامة لبعض من يعاتبه من المؤمنين في تقصيره عن تعاهد ولي من أوليائه : عبدي مرضت فلم تعدني؟ فيقول : كيف تمرض وأنت رب العالمين؟ فيقول : مرض عبدي فلان فلم تعده ، فلو عدته لوجدتني عنده ، فكما أضاف مرض وليه وسقمه إلى عزيز ذاته المقدسة عن نعوت خلقه إعظاما لقدر عبده ، وتنويها بكرامة منزلته كذلك أضاف التردد إلى ذاته لذلك.
الثاني : أن ترددت في اللغة بمعنى رددت مثل قولهم فكرت وتفكرت ودبرت وتدبرت فكأنه يقول : ما رددت ملائكتي ورسلي في أمر حكمته بفعله مثل ما رددتهم عند قبض روح عبدي المؤمن فأرددهم في إعلامه بقبضي له وتبشيره بلقائي ، وبما أعددت له عندي كما ردد ملك الموت عليهالسلام إلى إبراهيم وموسى عليهماالسلام في القصتين