مرآة العقول - العلامة المجلسي - الصفحة ٢٠٩ - الرؤيا الصادقة والكاذبة مخرجهما من موضع واحد
.................................................................................................
______________________________________________________
فأكثر ما فيه أنه اعتقد أمرا على خلاف ما هو ، فيكون ذلك الاعتقاد علما على غيره كما يكون خلق الله تعالى الغيم علما على المطر ، والجميع خلق الله تعالى ، ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التي جعلها علما على ما يسر بغير حضرة الشيطان وخلق ما هو علم على ما يضر بحضرة الشيطان فنسب إلى الشيطان مجازا لحضوره عندها ، وإن كان لا فعل له حقيقة.
وقال محيي السنة : ليس كلما يراه الإنسان صحيحا ويجوز تعبيره ، بل الصحيح ما كان من الله يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أم الكتاب ، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها ، وهي على أنواع : قد تكون من فعل الشيطان ، يلعب بالإنسان أو يريه ما يحزنه ، وله مكائد يحزن بها بني آدم كما قال تعالى : « إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا » [١] ومن لعب الشيطان به الاحتلام الذي يوجب الغسل ، فلا يكون له تأويل ، وقد يكون من حديث النفس كما يكون في أمر أو حرفة يرى نفسه في ذلك الأمر ، والعاشق يرى معشوقه ونحوه ، وقد تكون من مزاج الطبيعة كمن غلب عليه الدم يرى الفصد والحجامة والحمرة والرعاف والرياحين والمزامير والنشاط ونحوه ، ومن غلب عليه الصفراء يرى النار والشمع والسراج والأشياء الصفر ، والطيران في الهواء ونحوه ، ومن غلب عليه السوداء يرى الظلمة والسواد والأشياء السود وصيد الوحش ، والأهوال والأموات والقبور والمواضع الخربة ، وكونه في مضيق لا منفذ له ، أو تحت ثقل ونحوه ، ومن غلب عليه البلغم يرى البياض والمياه والأنداء [٢] والثلج والوحل ، فلا تأويل لشيء منها.
وقال السيد المرتضى « ره » في كتاب الغرر والدرر [٣] في جواب سائل سأله ما القول في المنامات أصحيحة هي أم باطلة؟ ومن فعل من هي؟ وما وجه صحتها في الأكثر؟ وما وجه الإنزال عند رؤية المباشرة في المنام ، وإن كان فيها صحيح وباطل
[١] سورة المجادلة : ١٠.
[٢] الأنداء جمع الندى : البَلَل والمطر.
[٣] أمالي المرتضى « غرر الفوائد ودرر القلائد » ج ٢ ص ٣٩٢.