مرآة العقول - العلامة المجلسي - الصفحة ٢٤٠ - باب حجج الله على خلقه
______________________________________________________
الله عليهم من الاستعاذة بالله من ذنب لا يوفق صاحبه للتوبة بعده أبدا. ثم أقول : هيهنا دقيقة أخرى وهي أنه يستفاد من قوله تعالى : « وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ » [١] أي نجد الخير ونجد الشر ، ومن نظائره من الآيات والروايات ، ومن قوله تعالى : « أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ » [٢] ومن نظائره من الآيات والروايات أن تصوير النجدين وتمييز نجد الخير من نجد الشر من جانبه تعالى ، وأنه تعالى قد يحول بين المرء وبين أن يميل إلى الباطل ، وقد لا يحول ويخلي بينه وبين الشيطان ليضله عن الحق ويلهمه الباطل ، وذلك نوع من غضبه ، ويتضرع على اختيار العبد العمى بعد أن عرفه الله تعالى نجد الخير ونجد الشر ، فهذا معنى كونه تعالى هاديا ومضلا ، وبالجملة أن الله يقعد أولا في أحد أذني قلب الإنسان ملكا ، وفي أحد أذنيه شيطانا ثم يلقى في قلبه اليقين بالمعارف الضرورية ، فإن عزم الإنسان على إظهار تلك المعارف والعمل بمقتضاها يزيد الله في توفيقه ، وإن عزم على إخفائها وإظهار خلافها يرفع الملك عن قلبه ويخلي بينه وبين الشيطان ليلقي في قلبه الأباطيل الظنية ، وهذا معنى كونه تعالى مضلا لبعض عباده « انتهى ».
وقال بعض المحققين في جواب استدلال الأشاعرة بقوله تعالى : « يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ » [٣] على مذهبهم الفاسد : هذا مدفوع بما فصله الأصحاب في تحقيق معنى الهداية والضلالة ، وحاصله أن الهدى يستعمل في اللغة بمعنى الدلالة والإرشاد نحو « إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى » [٤] وبمعنى التوفيق نحو « وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً » [٥] وبمعنى الثواب نحو « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ » [٦] وبمعنى الفوز والنجاة نحو « لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ » [٧]
[١] سورة البلد : ١٠.
[٢] سورة الأنفال : ٢٤.
[٣] سورة النحل : ٩٣.
[٤] سورة الليل : ١٢.
[٥] سورة محمد : ١٧.
[٦] سورة يونس : ٩.
[٧] سورة إبراهيم : ٢١.