مرآة العقول - العلامة المجلسي - الصفحة ١٩٤ - باب الكبر
.................................................................................................
______________________________________________________
فبدا بموته قبل حياته ، وبضعفة قبل قوته ، وبجهله قبل علمه ، وبعماه قبل بصره ، وبصممه قبل سمعه ، وببكمه قبل نطقه ، وبضلالته قبل هداه ، وبفقره قبل غناه ، وبعجزه قبل قدرته.
فهذا معنى قوله تعالى : « هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ، إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ » [١] كذلك خلقه أولا ثم أمتن عليه فقال : « ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ » وهذه إشارة إلى ما تيسر له في مدة حياته إلى الموت ، ولذلك قال : « مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ، إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ » ومعناه أنه أحياه بعد أن كان جمادا ميتا ترابا أولا ، ونطفة ثانيا ، وأسمعه بعد ما كان فاقد البصر ، وقواه بعد الضعف وعلمه بعد الجهل ، وخلق له الأعضاء بما فيها من العجائب والآيات بعد الفقد لها ، وأغناه بعد الفقر وأشبعه بعد الجوع ، وكساه بعد العري ، وهداه بعد الضلال ، فانظر كيف دبره وصوره وإلى السبيل كيف يسره وإلى طغيان الإنسان ما أكفره ، وإلى جهل الإنسان كيف أظهره ، فقال تعالى : « أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ » [٢] « وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ » [٣].
فانظر إلى نعمة الله عليه كيف نقله من تلك القلة والذلة والخسة والقذارة إلى هذه الرفعة والكرامة ، فصار موجودا بعد العدم وحيا بعد الموت ، وناطقا بعد البكم ، وبصيرا بعد العمى ، وقويا بعد الضعف ، وعالما بعد الجهل ، ومهتديا بعد الضلالة ، وقادرا بعد العجز ، وغنيا بعد الفقر ، فكان في ذاته لا شيء ، وأي شيء
[١] سورة الدهر : ١ ـ ٢.
[٢] سورة يس : ٧٧.
[٣] سورة الروم : ٢٠.