أربع رسائل كلاميّة - الشهيد الأول - الصفحة ٥٣ - الفصل الثالث في غاية التكليف
وترك الأفعال الحسنة معدّ لذلك ، ومسلّط عليه ، فجعل تلك الأفعال قيودا له ، لئلاّ يرتطم في الهلكات ويقتحم في التبعات ، فكان الغرض الذاتي عنده ترك مقتضى الطبع ، وترك العبادات ينافيه ، فكان الترك منافيا للغرض ، فوجب أو ندب الاشتغال بالفعل المحصّل للترك المذكور.
ولعلّ صاحب هذا الرأي ممّن يرى أنّ المطلوب في النهي إنّما هو إيجاد الضدّ ؛ بناء على أنّ الترك غير مقدور ، وهذا القدر يصلح أن يكون متمسّك أصحاب هذين المذهبين الأخيرين.
فلنذكر حجّة من قبلهما. فقد احتجّ الأوّلون بوجهين :
الأوّل : أنّ معنى اللطف حاصل فيها فيكون لطفا.
أمّا الصغرى ؛ فللعلم الضروري بقرب المتّصف بها من الطاعة وبعده من المعصية.
والكبرى ظاهرة. وعليه نبّه البارئ جلّ وعزّ في قوله تعالى : ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) [١] و ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ ) [٢] و ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [٣] و ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ) [٤] و ( وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) [٥] و ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ) ـ إلى قوله ـ ( لِلْعُسْرى ) [٦] و ( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ ) [٧] و ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [٨].
[١] هود (١١) : ١١٤.
[٢] العنكبوت (٢٩) : ٤٥.
[٣] البقرة (٢) : ١٨٣.
[٤] التوبة (٩) : ١٠٣.
[٥] المائدة (٥) : ٦.
[٦] الليل (٩٢) : ٥ ـ ١٠.
[٧] المائدة (٥) : ٩١.
[٨] آل عمران (٣) : ٢٠٠.