مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٧٥ - ٧ الاخبار عن نجاح الإسلام والرسول
الباطل وأنّهم يدخلونه وأقسم على ذلك وقال : ( لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ ) أي العام القابل وكان بين نزول الآية والدخول مدة سنة ولعلّ التقييد بالمشيئة لعلمه سبحانه بأنّ منهم من يموت قبل السنة أو يمرض فلا يدخلها ، فأدخل الاستثناء لأنّ لا يقع في الخبر خلف [١].
ونختم هذا القسم بتنبّؤين :
١. تنبّؤ القرآن بانتصاره على أعدائه من قريش وفتحه عاصمة الوثنيين ودخول الناس في دين الإسلام فوجاً بعد فوج ، قال سبحانه : ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ) ( النصر : ١ ـ ٤ ) فأظفره الله على أعدائه وفتح مكة ودخل الناس في دين الإسلام زمرة بعد زمرة ، ولأجل ذلك النصر العظيم أمره سبحانه بتنزيه الله عمّا لا يليق به ، وليست هذه هي المرة الوحيدة التي تنبّأ فيها القرآن الكريم بفتح مكة ، بل تنبّأ بفتح مكة مرة اُخرى وهو قوله سبحانه : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ) ( الفتح ـ ١ ) فقد روي أنّ المسلمين رجعوا عن غزوة الحديبية وقد حيل بينهم وبين نسكهم فهم بين الحزن والكآبة إذ أنزل الله عزّ وجلّ : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ) فأدرك الرسول السرور والفرح ، ما شاء الله ، ففتحت مكة بعد عامين من نزول السورة ، ومعنى قوله : ( إِنَّا فَتَحْنَا ) إنّا قضينا لك بالفتح.
وقال سبحانه : ( وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ) ( الصف ـ ١٣ ) والمراد من « فتح قريب » أمّا فتح مكة أو فتح بلاد الفرس والروم [٢].
٢. تنبّؤ القرآن بأنّه لا يضر ارتداد من ارتد ممّن آمن به فانّ الله يأتي بقوم رحماء على المؤمنين أشدّاء على الكافرين ، يجاهدون في سبيل الله لاعلاء كلمة الله وإعزاز دينه ، حيث قال سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ
[١] سيرة ابن هشام ج ٢ ، ص ٣٠٨ ـ ٣٢٢ ، مجمع البيان ج ٥ ص ١٢٦.
[٢] مجمع البيان ج ٥ ص ١٠٨ ـ ١٠٩ و ٢٨٢.