مفاهيم القرآن - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٣ - المقررات المتطوّرة في الإسلام
٣. الدفاع عن بيضة الإسلام وحفظ استقلاله وصيانة حدوده من الأعداء ، قانون ثابت لا يتغير ، فالمقصد الأسنى لمشرع الإسلام ، إنّما هو صيانة سيادته عن خطر أعدائه وأضرارهم ولأجل ذلك أوجب عليهم تحصيل قوّة ضاربة ضد الأعداء ، واعداد جيش عارم جرار تجاه الأعداء كما يقول سبحانه : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة ) ( الأنفال ـ ٦٠ ) فهذا هو الأصل الثابت في الإسلام الذي يؤيده العقل والفطرة أمّا كيفية الدفاع وتكتيكه ونوع السلاح ، أو لزوم الخدمة العسكرية وعدمه ، فكلّها موكولة إلى مقتضيات الزمان ، تتغير بتغيره ، ولكن في إطار القوانين العامة فليس هناك في الإسلام أصل ثابت ، حتى مسألة لزوم التجنيد العمومي ، الذي أصبح من الاُمور الأصلية في غالب البلاد.
وما نرى في الكتب الفقهية من تبويب باب ، أو وضع كتاب خاص ، لأحكام السبق والرماية ، وغيرها من أنواع الفروسية التي كانت متعارفة في الأزمنة الغابرة ونقل أحاديث في ذلك الباب ، عن الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وأئمّة الإسلام ، فليست أحكامها أصلية ثابتة في الإسلام ، دعا إليها الشارع بصورة أساسية ثابتة ، بل كانت هي نوع تطبيق لذلك الحكم الغرض منه ، تحصيل القوّة الكافية ، تّجاه العدو في تلكم العصور وأمّا الأحكام التي ينبغي أن تطبق في العصر الحاضر ، فانّه تفرضها مقتضيات العصر نفسه [١].
فعلى الحاكم الإسلامي تقوية جيشه وقواته المسلحة بالطرق التي يقدر معها على صيانة الإسلام ومعتنقيه عن الخطر ويصد كل مؤامرة عليه من جانب الأعداء حسب
[١] قال المحقق في الشرائع ص ١٥٢ وفائدة السبق والرماية : بعث النفس على الاستعداد للقتال والهداية لممارسة النضال وهي معاملة صحيحة. وقال الشهيد الثاني في المسالك في شرح عبارة المحقق : لا خلاف بين المسلمين في شرعية هذا العقد ، بل أمر به النبي في عدة مواطن لما فيه من الفائدة المذكورة وهي من أهم الفوائد الدينية لما يحصل بها من غلبة العدد في الجهاد لأعداء الله تعالى ، الذي هو أعظم أركان الإسلام ولهذه الفائدة يخرج عن اللهو واللعب المنهى عن المعاملة عليهما.
فإذا كانت الغاية من تشريعهما الاستعداد للقتال والتدرب للجهاد ، فلا يفرق عندئذ بين الدارج في زمن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وغيره أخذاً بالملاك المتيقن.