مجاز القرآن خصائصه الفنيّة وبلاغته العربيّة - الصّغير، محمد حسين علي - الصفحة ٤٣ - ٣ ـ مجاز القرآن في مرحلة التأصيل
عندهم قولهم هو جواد. ومنه قوله تعالى : ( وقالت اليهود يد الله مغلولة ) ، أي هو بخيل ( بل يداه مبسوطتان )[١] ، أي هو جواد من غير تصور يد ، ولا غل ، ولا بسط. والتفسير بالنغمة ، والتمحل للتثنية من ضيق العطف ، والمسافرة عن علم البيان مسيرة أعوام »[٢].
الثاني : تعقيبه على قوله تعالى : ( فما ربحت تجارتهم ... )[٣] ، قال : « فإن قلت : كيف أسند الخسران الى التجارة وهو لأصحابها؟ قلت : هو من الإسناد المجازي ، وهو أن يسند الفعل الى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له كما تلبست التجارة بالمشترين .. فإن قلت : هب أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا في معنى الاستبدال ، فما معنى ذكر الربح والتجارة كأن تم مبايعة على الحقيقة؟ قلت : هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا ، وهو أن تنساق كلمة مساق المجاز ثم تقفى بأشكال لها وأخوات إذا تلاحقن لم تر كلاما أحسن منه ديباجة ، وأكثر ماءً ورونقا وهو المجاز المرشح ... فكذلك لما ذكر سبحانه الشراء ( أولئك الذين أشتروا الضلالة بالهدى )[٤] ، أتبعه بما يشاكله ويواخيه ، وما يكتمل ويتم بانضمامه إليه ، تمثيلا لخسارهم وتصويرا لحقيقته » [٥].
وفيما عدا الزمخشري بتوسعه في ذكر مجازات القرآن ، بمعانيها الاصطلاحية فيما يبدوا لي ، فإننا لا نجد نظيرا لهذا التفسير من هذا الوجه فحسب. نعم هناك شذرات مجازية في الجزء الخامس من « حقائق التأويل » للشريف الرضي ( ت : ٤٠٦ هـ ) أشرنا إليها ضمن البحث فيما يأتي ، ولو وصلنا حقائق التأويل كاملا لحصلنا على علم كثير.
[١] المائدة : ٦٤.
[٢] الزمخشري ، الكشاف ٢ : ٥٣٠.
[٣] البقرة : ١٦.
[٤] الزمخشري ، الكشاف : ١/١٩١ وما بعدها.
[٥] توفي ظهر الأربعاء : ٩/٣/١٩٦٦م عن واحد وسبعين عاما. وكان آخر لقائنا به في بغداد بتاريخ : ١١/٢/١٩٦٦م حينما اشتركنا معا في مهرجان تأبين علامة العراق الشيخ محمد رضا الشبيبي في جامع براثا ببغداد.