مجاز القرآن خصائصه الفنيّة وبلاغته العربيّة - الصّغير، محمد حسين علي - الصفحة ١٥٠ - ٢ ـ انتشار المجاز اللغوي المرسل في القرآن
سبحانه يضل عن الإيمان ، وقد قامت الدلائل على أنه سبحانه لا يفعل ذلك لأنه قبيح ، وهو غني عنه ، وعالم باستغنائه عنه ، ولأنه تعالى أمرنا بالايمان وحببنا إليه ، ونهانا عن الكفر وحذرنا منه ، فوجب إلا يضلنا عما أمرنا به ، ولا يقودنا الى ما نهانا عنه ، وإذا لم يكن ذلك محمولا على ظاهره ، فاحتجنا الى تأويله في الوجوه التي قدمنا ذكرها ، فهو متشابه ، لأن موقفه من صفة المتشابه إلا يقتبس علمه من ظاهره وفحواه ، فوجب رده الى ما ورده من المحكم في هذا المعنى ، وهو قوله تعالى :
( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم )[١].
قال الشريف الرضي « فعلمنا أن الزيغ الأول كان منهم ، وأن الزيغ الثاني كان من الله سبحانه على سبيل العقوبة لهم ، وعلمنا أيضا أن الزيغ الأول غير الزيغ الثاني ، وأن الأول قبيح إذ كان معصية ، والثاني حسن إذ كان جزاء وعقوبة ، ولو كان الأول هو الثاني لم يكن للكلام فائدة ، وكان تقديره :
فلما مالوا عن الهدى أملناهم عن الهدى ، فكان خلفا من القول يتعالى الله عنه ، لأن الكفر الذي حصل في الكفار الذين وصفهم سبحانه بميلهم عن الأيمان ، وإزاغته تعالى لهم إنما كانت عن طريق الجنة والثواب ، وأيضا فإن هذا الفعل لما كان من الله سبحانه على سبيل العقوبة لهم ، علمنا أنه من غير جنس الذي فعلوه ، لأن العقوبة لا تكون من جنس المعصية إذ كانت المعصية قبيحة ، والعقوبة عليها حسنة » [٢].
فالشريف الرضي في رده المتشابه الى المحكم ، قد حمل معنى الإزاغة اتساعا على معنى الجزاء والعقوبة كما هي الحال في قوله تعالى : ( فمن اعتدى عليكم فأعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم )[٣].
وكقوله تعالى : ( وجزاؤُا سيّئةٍ سيئّةٌ مثلُها ... )[٤].
[١] الصف : ٥.
[٢] الشريف الرضي ، حقائق التأويل : ٥/ ٢٣ وما بعدها.
[٣] البقرة : ١٩٤.
[٤] الشورى : ٤٠.