المذاهب والفرق في الإسلام - صائب عبد الحميد - الصفحة ١٧ - تحديد اُصول المذاهب وتاريخ تسميتها  
لكن هذه النظرية الأخيرة بالخصوص تعرّضت للنقض من قِبَل مستشرق آخر ـ تيودور نولدكه ـ حين رأى أنّ السين اليونانيّة تثبت عند التعريب سيناً ، ولا تقلب صاداً ، فكلمة (فيلوسوفيا) تصبح بالتعريب (فلسفة) لا (فلصفة) [١].
بينما ذهب أصحاب الرأي الثاني إلى أنّ حركة الزهد والتصوف الإسلامي كانت ثمرة طبيعية للمبادئ الأخلاقية التي رسمها القران الكريم للحياة البشرية وطبّقها الرسول الكريم وصحابته في حياتهم [٢].
والحقّ أنّه ينبغي أن يضاف إلى هذا ما كان للأوضاع السياسية من أثر كبير في لجوء الكثير من أهل العلم إلى طلب العزلة وحياة الزهد ، والذي يعدّ النواة الاُولى لحركة التصوّف في الإسلام.
وقد أشار الغزالي إلى هذا إشارة واضحة في قوله : إنّه لمّا انقرض عهد الخلفاء الراشدين أفضت الخلافة إلى قومٍ تولّوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام , فاضطرّوا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم ، وقد كان بقي من العلماء من هو مستمرّ على الطراز الأول وملازم صفو الدين ، فكانوا إذا طُلبوا هربوا وأعرضوا [٣].
كما ساعد على نمو التصوف اليأسُ الذي أصاب الناس من الحكومات المتعاقبة المتطاحنة ، والبعدُ عن حقيقة الفقه في الدين ، فدفعهم كلّ ذلك إلى الانزواء عن حياة يرونها مليئة بالمظالم والمفاسد , مع غياب الأمل في
[١] التصوّف في الإسلام : ٢٤.
[٢] تطوّر تفسير القران : ١٠٠.
[٣]حجّة الله البالغة / الدهلوي ١ : ٣٢٢ ـ دار الكتب الحديثة ـ القاهرة.