المذاهب والفرق في الإسلام - صائب عبد الحميد - الصفحة ١٠٩ - دور التطّرف الديني في تكوين بعض المذاهب والفرق  
الفصل الرابع
دور التطرّف الديني في تكوين بعض المذاهب والفرق
من أخطر المشكلات التي تعرض لها الفكر الديني هي مشكلة تطرّف أتباعه في تفسير معانيه وفي تطبيق أحكامه ، فيتجاوزون الضوابط الثابتة في تفسير نصوصه ومفرداته ، والحدود المعلومة في تطبيق أحكامه.
هذا التطرّف هو الذي سمّاه الدين « غلوّاً » وهو يقابل التقصير في معرفة الدين وتطبيق أحكامه.
والغلوّ إنّما تصاب به النفوس الوالهة المتعلّقة بشيء من الدين غير أنّها لم تكن تفقه روح الدين ، ولم تتذوق معانيه ، ولا أدركت مقاصده وأهدافه الكبرى ، ولا قرأت القرآن الكريم كلّه قراءةً واعيةً وعلى مستوىً واحد من الاهتمام ، ولا تذوقت جمال القرآن ولا وقفت عند خطابه اللاذع للمغالين ، ولا لفت انتباهها اُسلوب القرآن الحكيم في سدّ جميع منافذ الغلوّ.. فبعد أن فقدت كلّ هذا جنحت مع أهوائها فجاوزت الحدّ في معشوقها ، وكثيراً ما وقعت في تأليهه بشكل سافر ، أو على درجة أقلّ من ذلك.
ومنذ أقدم مراحل التاريخ البشري ، وقبل نوح
عليهالسلام
، بلغ الغلوّ بالناس أن عبدوا سَلَفهم الصالح واتّخذوهم آلهةً من دون الله ، فلمّا دعاهم نوح عليهالسلام
إلى التوحيد قالوا : (
لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ