تاريخ بغداد - الخطيب البغدادي - الصفحة ١٤٦
كانت الشعراء تدخل على الخلفاء في ذلك الحين في كل عام مرة قال فمثل بين يديه وأنشده قصيدته التي يقول فيها طرقتك زائرة فحي خيالها بيضاء تخلط بالحياء دلالها قادت فؤادك فاستقاد وقبلها قاد القلوب إلى الصبي فأمالها قال فأنصت لها حتى بلغ إلى قوله هل تطمسون من السماء نجومها بأكفكم أو تسترون هلالها أو تدفعون مقالة عن ربكم جبريل بلغها النبي فقالها شهدت من الانفال آخر آية بتراثهم فأردتم ابطالها يعني بني علي وبني العباس قال فرأيت المهدي وقد تزاحف من صدر مصلاه حتى صار على البساط إعجابا بما سمع ثم قال له كم هي بيتا قال مائة بيت فأمر له بمائة ألف درهم قال فإنها لاول مائة ألف أعطيها شاعر في خلافة بني العباس قال فلم تلبث الايام أن أفضت الخلافة إلى هارون الرشيد قال فرأيت مروان ماثلا مع الشعراء بين يدي الرشيد وقد أنشده شعرا فقال له من قال شاعرك مروان بن أبي حفصة فقال له ألست القائل البيتين اللذين له في معن اللذين أنشدهما المهدي خذوا بيده فأخرجوه فإنه لا شئ له عندنا فأخرج فلما كان بعد ذلك بيومين تلطف حتى دخل فأنشده قصيدته التي يقول فيها لعمرك لا أنسى غداة المحصب إشارة سلمى بالبنان المخضب وقد هدر الحجاج إلا أقلهم مصادر شتى موكبا بعد موكب قال قال فأعجبته فقال له كم قصيدتك بيتا قال له سبعون أو ستون فأمر له بعدد أبياتها ألوفا فكان ذلك رسم مروان حتى مات قرأت على الحسن بن علي الجوهري عن أبي عبيد الله محمد بن عمران المرزباني قال أخبرني يوسف بن يحيى عن أبيه يحيى بن علي قال أخبرني متوج بن محمود بن أبي الجنوب أخبرني أبي عن أبيه أن الكسائي كان يقول إنما الشعر سقاء تمخض فدفعت الزبدة إلى مروان بن أبي حفصة