الواضح في شرح العروة الوثقى - ط آل البيت - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٦٢ - حكم ما لو علم المالك وجهل المقدار الحرام والأقوال فيه
الخمسة الثانية لا واقعاً ولا ظاهراً ، أي لا أصل عملي ولا أمارة دالة على حكمها ، فهو من الأمر المشكل الذي تجري فيه القرعة . وأما القول بأن اجراء قاعدة العدل والإنصاف في المقام غير ممكن ، لأن اليد يد ضمان ، وقاعدة العدل والانصاف على فرض أنها قاعدة وصحيحة فموردها هو ما لم تكن اليد يد ضمان ، واليد في المقام يد ضمان ، غير صحيح لأن اليد في المقام ليست يد ضمان .
واُخرى لا ينحل العلم الإجمالي إلى يقين تفصيلي بالأقل وشك في الأكثر ، كما لو كان المأخوذ من المال الحرام مقداراً لا يعلم أنه خمسون درهماً أو عشرة دنانير واختلطت بدراهم الآخر ودنانيره ، فإن ذلك من المثلي سواء تلفت بعد الاختلاط أو لا ، والواجب هو إرجاع المثل ، وأصل المثل مردد بين الأقل والأكثر ، فلا ينحل العلم الإجمالي هنا إلى تفصيلي بالأقل وشك في الأكثر حتّى تجري أصالة البراءة عن الأكثر ، بل يكون الأمر دائراً بين نفس المتباينين لا الأقل والأكثر كما سيأتي هذا من السيد الاُستاذ في المسألة ٣١ [ ٢٩٠٧ ] واللازم في مثل المقام تمكين مالك المال الحرام من كل من المثلين ، فباعطائه الأقل لا يخرج الضامن من الضمان ، فهنا يصح قول السيد الاُستاذ : « بأن نصف المال لم يصل إلى صاحبه ، والمفروض اشتغال الذمة به بالعلم التفصيلي ، فما هو المسوغ ] عند إجراء قاعدة العدل والانصاف على فرض أنها قاعدة [ لاتلاف نصف المال على صاحبه ؟ وما الموجب لرفع الضمان عن الضامن ؟ فان الموجب لرفع الضمان عنه إنما هو العلم بايصال المال إلى صاحبه وجداناً أو تعبداً ، ولم يتحقق شيء منهما ، فإن تمت قاعدة العدل والإنصاف فإنما تتم في المال غير المضمون » ولكن كلام السيد الاُستاذ بمقتضى مثاله الذي مثله - وهو حسب ما ذكرنا : أنه عنده مائة دينار بعضها حلال وبعضها حرام ، والحرام مردد بين خمسة دنانير وعشرة دنانير ، وبمقتضى المثال الذي ذكر في المستند ، موسوعة الإمام الخوئي ٢٥ : ١٤٣ أن المال المختلط : « عشرة دنانير ويعلم أن بعضاً منها حرام وهو مردد بين الاثنين والخمسة » - هو الفرض الأوّل مما ذكرنا ، وهو العلم الإجمالي المنحل إلى يقين تفصيلي بالأقل وشك في الأكثر ، لا في الفرض الثاني . ولو كان كلامه في الفرض الثاني لكان اللازم أن يقول : لابدّ للضامن من تمكين صاحب المال الحرام من كل من الخمسين درهم ومن العشرة دنانير ، لوجوب أداء أحدهما الواقعي - لو لم يحصل التصالح - وبذلك يخرج الضامن من عهدة الضمان ، وطبعاً يكون هذان المالان مرددين بين ما يملكه مالك المال الحرام وبين ما لا يملكه ، لأن ماله الواقعي باق على ملكه لا الآخر ، وليس مقتضى العلم الاجمالي الذي كان واجباً على مالك المال الحلال ، والذي اقتضى بأن ينحصر خروجه عن الضمان إنما هو بتمكين مالك المال الحرام منهما ، يوجب أن يكون المال الآخر لمالك المال الحرام مجاناً ، فليس لمالك المال الحرام التصرف في المال الآخر ، فينتهي الأمر إلى القرعة . وحيث ينتهي الأمر إلى القرعة لا محالة فله أن يجريها من أول الأمر . وإن كان هنا لو لم يرجع الأمر إلى القرعة لم يكن له أن يجيرها من أول الأمر ، لأن القرعة إنما تجري لتعيين الوظيفة ، والوظيفة في المقام معلومة وهي تمكين مالك المال الحرام من المالين معاً . ثمّ بعد إجراء القرعة فإن خرجت لمالك المال الحرام بالأقل لا بالأكثر كان الزائد - الذي لم يكن لمالك المال الحلال يد عليه ، والذي هو المال المشكوك حسب الفرض - مورداً للقرعة أيضاً بينهما ، وإن كانت القرعة الاُولى خرجت لمالك المال الحرام بالأكثر فليس في البين حينئذ مال مشكوك فيه لم تكن لمالك المال الحلال يد له عليه حتّى يقرع ثانياً .
والنتيجة : أن هذا الجواب الذي ذكره السيد الاُستاذ غير تام ، فيبقى الجوابان الآخران ، وهما أن قاعدة العدل والانصاف بنفسها غير تامة ، وقياس المقام على ما ورد في الروايات من التداعي والودعي قياس لا نقول به .