صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار - السيّد محمّد بيرم الخامس التونسي - الصفحة ٥٢ - الفصل الأول فيما جاء في ذلك من الكتاب العزيز
ثم أن كون السير واجبا لما ذكر هو ما عليه المحققون ، وإن سبق قلم الزمخشري [١] وتبعه القاضي البيضاوي [٢] إلى أن الأمر بالسير للإباحة والأمر بالنظر للوجوب ، فقد قال غيرهم : إن ذلك ينبو عنه المقام.
أما أولا : فلأنه إخراج للأمر عن حقيقته.
وأما ثانيا : فلا وجه لذكر إباحة السير للتجارة وغيرها في سياق الإفحام للجاحدين ، ثم يعطف عليه ما هو واجب ولا يتم إلا بسابقه.
وأما ثالثا : فقد تقرّر في الأصول أن ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا فكيف يكون النظر في آثار المكذبين واجبا بدون سير؟ فإن قيل : إنا لم نر في دواوين أصول الدين أن من واجبات الديانة السفر كما ذكر؟ فالجواب أن معنى الوجوب معلق بما إذا لم يحصل الإعتبار المفضي للإعتقاد إلا بالسفر ، لأنه يؤدّي إلى رؤية الآيات بالمشاهدة التي لها من التأثير ما ليس لغيرها ، أما إذا حصل الإعتقاد فلا داعي حينئذ لوجوب السفر وإنما هو مباح. ولهذا كانت الآيات المذكورة في سياق الحجاج للمعاندين وكأن ما ذكر هو الذي أدى ببعض المفسرين للقول : بأن الأمر للإباحة.
وقد ذكر الغزالي [٣] في الإحياء : أن السفر تعتريه الأحكام الخمسة من الوجوب والندب والإباحة والكراهة والحرمة لأنه من الوسائل فيأخذ حكم ما قصد به [٤] وأبان ذلك بيانا شافيا.
وإذا تقرّر أن السير واجب لأجل الإعتبار ، فنقول : إن المعتبر به أشياء منها ما دلت عليه الآيات المذكورة من الإعتبار بعاقبة المكذبين للرسل ، ومنها ما دل عليه قوله تعالى : (وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ) [الروم : ٢٢]. فإن المسافر يرى من عجائب قدرة الخالق جل وعلا من اختلاف الطباع واختلاف الأشكال والهيئات واللغات والبشرة ما يقضي بوجوب وجود صانع ذلك المختار في أفعاله ، إذ لو
[١] هو محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري جار الله أبو القاسم (٤٦٧ ـ ٥٣٨ ه) عالم بالتفسير والآداب واللغة. توفي في الجرجانية من قرى خوارزم. الأعلام ٧ / ١٧٨ وفيات الأعيان ٢ / ٨١ معجم الأدباء ٥ / ٤٨٩ رقم الترجمة (٩٤٥) مفتاح السعادة ١ / ٤٣١ معجم المطبوعات (٩٧٣).
[٢] هو عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي أبو سعيد أو أبو الخير ناصر الدين البيضاوي. قاض مفسر توفي في تبريز سنة (٦٨٥ ه). الاعلام ٤ / ١١٠ بغية الوعاة (٢٨٦) مفتاح السعادة ١ / ٤٣٦ طبقات الشافعية للسبكي ٥ / ٥٩.
[٣] هو محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي أبو حامد (٤٥٠ ـ ٥٠٥ ه) حجة الإسلام. مولده ووفاته في الطابران. الأعلام ٧ / ٢٢ وفيات الأعيان ١ / ٤٦٣ طبقات الشافعية للسبكي ٤ / ١٠١ شذرات الذهب ٤ / ١٠ الوافي بالوفيات ١ / ٢٧٧ مفتاح السعادة ٢ / ١٩١ معجم المطبوعات (١٤٠٨ ـ ١٤١٦).
[٤] انظر كتاب إحياء علوم الدين كتاب آداب السفر. ٢ / ٢١٧.