صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار - السيّد محمّد بيرم الخامس التونسي - الصفحة ٢٠٥ - المطلب الثالث في سياسة القطر الخارجية
التعامل في القطر مثلما يتعامل أهله ، فعقد الوالي معه ذلك على كره ، وسجل وأرسل إلى دولة فرنسا معلما بأن الشروط أخذت شبه غصب ، وكانت إذ ذاك دولة فرنسا في شغل من الثورة على ملكها ، فعدلت تلك الشروط بعض التعديل.
فلمثل تلك الأسباب لزم فرنسا مراعاة مصالحها ومداخلتها في حراسة سياسة تونس ، والذي استقر عليه القرار من الدولة الفرنساوية من ذلك التاريخ إلا الآن ، هو ما يشير إليه ما رأيته بخط أمين أسرار الحكومة أبي العباس الوزير أحمد بن أبي الضياف ونصه : «لما اجتمع أي أحمد باشا بملك فرنسا وهو لويز فليب في خلوة ، قال له : «إن كنت تروم الإستقلال فلا سبيل إليه ، والذي تعتمده مني أن فرنسا تحمي بسياستها حالتك التي أنت فيها الآن ، بحيث لا يتعدى عليك أحد من جهة البحر ، وأما البر فدبر أمرك فيه من جهة طرابلس ، وأساس حمايتك هو التحبب إلى الرعية والرفق بهم». سمعنا ذلك منه مشافهة ; اه.
وهاته السياسة التي صرح بها ملك فرنسا إذ ذاك هي السياسة المعول عليها عند عقلاء الفرنسيس قديما وحديثا ، حتى قال أحد كبار جنرالات الفرنسيس وأحد حكام قطر الجزائر ، بقصد التبليغ إلى حكومة تونس والحال أنه عسكري والغالب على الحزب العسكري هو الميل إلى استيلاء ، وذلك سنة ١٢٩٥ ه عند ختام مؤتمر برلين في شأن الحرب الأخيرة بين الدولة العلية والروسيا ، وقد اشتهر إذ ذاك أن بعض نواب الدول في المؤتمر لما رأوا مشاحنة نائب فرنسا في تسليم قبرس إلى الإنكليز ، أو عز إليه على غير الطريقة الرسمية بأن تستولي فرنسا على تونس إرضاء لها ولم تعمل بذلك فرنسا ، فقال الجنرال المذكور لمن يبلغ : «قل لوزيركم وللباي ها أنتم ترون من هي الدولة التي تصدقكم من التي تكذبكم ، فإنهم يقولون لكم أنا نريد الإستيلاء عليكم ليبعدوكم وينفروكم منا ، والآن قد أعطوكم لنا وأبينا من الإستيلاء عليكم ، فلتعلموا من هو الصادق ولتعلموا أنا لم نمتنع من الإستيلاء عليكم لمجرد حب الباي ، لأن مصالح الدول لا تتداخل فيها الشخصيات ، وإنما امتنعنا لعدم فائدتنا ، لأن فائدتنا في تونس إن كانت هي المال فهي فقيرة وخالية ، وفرنسا ليست بمحتاجة. وإن كانت هي تكبير الأرض ففي الجزائر أراضي وسيعة ولا زالت إلى الآن خاوية محتاجة إلى العمران ، فالأولى بنا تعمير أرضنا قبل أن نأخذ أرضا أخرى خالية ، فأي مصلحة لنا في أن نرسل عساكرنا لإطلاق الرصاص عليهم في قابس والحالة ما ذكر ، نعم غاية ما نطلبه منكم هو الهناء والراحة في داخليتكم حتى نرتاح نحن براحة جوارنا ، وأما إذا أحدثتم الإختلال في داخليتكم وأحوجتمونا إلى إطلاق الرصاص لأجلكم ، فالأولى أن تطلقوه إذا لأجل أنفسنا لأن ما كنا نتباعد عنه توقعونا أنتم فيه الخ».
فكلامه صريح في أن سياستهم هي إبقاء تونس على ما هي عليه ، وكذلك سمعت من أعيانهم في السياسة أنهم كما لا يريدون هم الإستيلاء على تونس لا يريدون غيرهم أن