صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار و الأقطار - السيّد محمّد بيرم الخامس التونسي - الصفحة ١٧٥ - فصل في التعريف بالقطر التونسي
وأحسن من هذين المكانين هواء الجبل المعروف بالأنصارين يبعد على الحاضرة نحو ستين ميلا جهة الشمال مع بعده عن البحر فإن هواءه لارتفاعه يغلب عليه البرد ، وفي أعاليه مسارح ومزارع متسعة وعيون دافقة وأجام وغياض نضرة لا يركد فيها الماء بل ينحدر إلى أسفل والشاهد على أن هذا المكان أحسن هواء من جميع جهات القطر ، أن أهله لم يصبهم كثير من الأمراض الوبائية مع أن كل تلك الأمراض عمت القطر التونسي عدة مرار ، ولم يعلم أن أحدا من أهل ذلك المكان أصيب بشيء من ذلك ، بل إن الوافد إليه يسلم عند الحلول به وسبحان من خص ما شاء بما شاء. غير أن هذا المكان به عاهة صعباء هي كثرة الحيات المؤذية به والله لطيف ، كما يوجد بالقطر جهات وخمة رديئة الهواء ، فأولها : نفزة من عمل الجريد ، وثانيها : باجة قاعدة العمل المسمى بها ، فيغلب على أهاليها الأمراض وترى وجوههم صفرا والوافدون عليهم في أقل زمن يمرضون ، لا سيما في الصيف ، وأما غير ما تقدم فالهواء معتدل سليم.
وأما حيوانات هذا القطر ففيه أغلب حيوانات أقاليم الاعتدال أنيسة ووحشية ، فمن الوحشية الأسد وأغلبه في الجهة الغربية ويضرب المثل بجرأة أسد عرار من أقسام تلك الجهة ، والنمر في كل الأجام القليلة العمران ، والضبع والذئب والثعلب والفهد والنمس وهو النسناس والخنزير وبقر الوحش والغزال والأرنب والذربال والقنفذ والوعل والورل والجرذ على أنواع ، والبقر الجاموس كان جلب وسرح في جبال ماطر وجبل أشكل الذي تحيط به بحيرة أشكل وهي حلوى ، فتناسل هناك وتكاثر وهو على ملك الحكومة وتوحش بحيث صار إذا احتيج إلى شيء منه يلزم صيده حيا ، وقد تأخذ منه الحكومة أو بعض رجالها لجر الأثقال واللبن وقد قل في هاته المدة لكثرة صيد الولاة وعدم حراسته حقيقة.
ويوجد في القطر من الحشرات : الثعبان ولا سيما في جبال الودارنه فإنه يعظم جدا ، لكنه غير مضر هناك بحيث يكون مساكنهم كأنه من الحيوانات الأليفة كالقط وأشباهه ، وهم لا يؤذونه وهو لا يضر ولا ينضر منهم ويبلغ طول الواحد إلى ثمانية أذرع وغلظه أزيد من شبرين ، وأما في جهات الجريد والصحراء فهناك أنواع من الثعبان مضرة ، ومنه نوع يسمى «بالزريق» رقيق قوي جدا إذا قصد شيئا يطفر عليه فيخرقه كالسهم ، وكذلك الحيات القتالة وتوجد بكثرة في الشبيكا وتامغزا من الجريد والعقارب في الجهات ، غير أن كثرتها الفادحة في الجريد. وهي مؤذية ولا سيما في القيروان وفي بعض الجهات لا أذية منها كما في بارود مقر الأمراء بل لا تكاد توجد هناك ، وفي جبل المنار توجد بكثرة صغيرة الجرم لا أذية منها ، وكذلك يوجد العنكبوت وتارة يعظم إلى أن يصير في حجم العصفور الصغير وهو قليل الأذية ، وكذلك يوجد النمل على أنواع شتى وكثيرا ما يضر بالزرع من القمح والشعير ، وكذلك الجراد يأتي في بعض السنين ويضر بالنبات جميعا إذا كان كثيرا ، والخنفس على أنواع شتى ، والوزغ والحرباء وغير ذلك مما هو قليل الوجود في هذا القطر.