سامرّاء دراسة في النشاة والبنية السكانية - د. صالح أحمد العلي - الصفحة ٢١ - المأمون نشأته وتوجهاته
الأخبار حدوث تخلخل في القوات المنوّعة الشعبية التي كانت تدافع عن بغداد ، ودام الحصار أكثر من سنة لم يستطع جيش طاهر بن الحسين التغلب على مقاومة أهل بغداد واختراق دفاعاتهم ، وظلّت المعارك الرئيسية في الأطراف الشمالية والغربية من المدينة المدوّرة ، ولم يفلح طاهر بن الحسين في ضعضعتهم إلّا بعد أن عمد إلى الحصار الاقتصادي فمنع المسير عنها ، مما أضرّ مصالح تجار الكرخ الذين لم يؤيدوه قبل ذلك.
ولما قتل الأمين وانهارت مقاومة أهل بغداد وصفت الخلافة للمأمون ، ولي إدارة العراق الحسن بن سهل أخو الفضل. ولم يرفض أهل بغداد خلافة المأمون ، إلا أنهم لم يؤيدوها بمن فيهم بقايا «الخراسانية» في بغداد ، وكان سلطان المأمون على بغداد ضعيفا وظهرت حركات شعبية معارضة فيها ، وتمردت في أطرافها ، أبرزها حركة الرويبضة وعلى رأسهم خالد بن درويش ، وسهل بن سلامة [١].
ثم استدعى المأمون علي الرضا من المدينة إلى مرو وجعله وليّ عهد المسلمين والخليفة من بعده [٢] ، فكان في هذا إخراج سلمي مصمّم للخلافة من البيت العباسي ، وهو قد يشير إلى نقل دائم لها إلى العلويين ، كما أنه تم في مرو ، وليس في بغداد. ولم يؤيد علي الرضا المأمون في اندفاعه بمتابعة التقاليد الساسانية المتجلية بجعله لباس الخضرة مكان السواد ، ودفعه إلى التخلص من نفوذ الفضل بن سهل وتوجهاته الفارسية ، ونصحه بالعودة إلى بغداد دار خلافة آبائه وملكهم ليتوسط سلطانه ويشرف على أطرافه [٣].
إلا أن آثار هذا التوجيه جاء متأخرا ، وقد ظهر الاستياء من المأمون في بغداد واضحا بعد بيعة علي الرضا بالعهد ، وكان الاستياء أوضح عند
[١] الطبري ٣ / ٩٩٨ ، وانظر تفاصيل أوفى عن أحوال بغداد إبّان الحصار وبعده ، من كتاب محمد رجب النجار «الشطار والصيارون».
[٢] الطبري ٣ / ٢٠١٢.
[٣] المصدر نفسه ٣ / ٩٩٧.