دراسات في علم الاصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد علي - الصفحة ١٩ - حكم التزاحم
المفروض
عجز المكلف عن امتثالهما، والقدرة دخيلة في الملاك، فحيث انّ القدرة واحدة
فالملاك الفعلي أيضا واحد، وعليه فجعل الوجوبين معا مضافا إلى استلزامه
التكليف بما لا يطاق يكون بلا ملاك، وهو قبيح وترجيح أحدهما المعين على
الآخر بلا مرجح، فالعقل يستكشف وجوب أحد الأمرين تخييرا، فالتخيير شرعي
وكاشفه العقل، وهذا بخلاف التخيير في المتساويين من القسم الثالث، أي ما
إذا كانت القدرة معتبرة فيهما عقلا فانه يكون بحكم العقل بمعنى لزوم
الإتيان بكل منهما مشروطا بترك الآخر على ما سيأتي بيانه، ويمكن إرجاع
التخيير في المقام إلى ذلك أيضا بوجه دقيق.
و أما إذا كان أحد الملاكين أهم من الآخر، فذهب فيه المحقق النائيني إلى
التخيير أيضا بدعوى: إنّ أهمية الملاك انما هي بعد فعليته، وهو أوّل
الكلام، إذ لا يجب على المكلف إدخال نفسه في موضوع الملاك الأهم، فله ان
يصرف قدرته في المهم، فيكون عاجزا عن الأهم.
و لكن التحقيق: انّ ما أفاده انما يتم في باب التعارض، فانه إذا ورد دليلان
متعارضان لا تكون أهمية أحد الحكمين على تقدير ثبوته من مرجحاته، واما في
باب التزاحم فأهمية أحد الملاكين توجب تقدمه لا محالة، وذلك لأنّ الملاك
الأهم وإن كان مشروطا بالقدرة إلاّ انّ القدرة التكوينية على استيفائه
موجودة على الفرض، فلا يكون عاجزا عنه وجدانا. وأما العجز الشرعي بان يقدم
المولى جانب المهم ويأمره بصرف قدرته فيه فهو ترجيح المرجوح على الراجح،
فلا بدّ من استيفاء الأهم، وذلك يكون معجزا عن الملاك المهم لا محالة.
فتلخص مما ذكر انه لو كان أحد الواجبين المتزاحمين المشروطين بالقدرة شرعا
متقدما زمانا على الآخر يتقدم السابق على اللاحق مطلقا، وامّا إن كانا
متقارنين زمانا فيتقدم الأهم ان كان أحدهما أهم من الآخر، وإلاّ فيحكم
فيهما