الموجز في تاريخ فلسطين السياسي - إلياس شوفاني - الصفحة ٤٤٨ - سابعا الثورة العربية الكبرى
السياسية الفلسطينية متفقة إلى حد كبير بشأن الموقف من الصهيونية ، فإنها لم تكن كذلك بالنسبة إلى بريطانيا. ولعل في الرأيين اللاحقين ما يعبر عن هذا الافتراق في وجهات النظر. فقد كتب صبحي الخضرا ـ من حزب الاستقلال العربي ، الذي راح يحرض ضد الانتداب (جريدة «الجامعة العربية» ٣ آب / أغسطس ١٩٣٠ م) ـ مقالا بعنوان «بريطانيا أصل الداء وأساس كل بلاء» ، جاء فيه : «بريطانيا وحدها المسؤولة عن جميع ما أصابنا من النكبات. وما الصهيونية إلا واحدة منها ، بل إن شرّ المصائب وداهية النوائب هي هذه الحكومة الإنكليزية نفسها. إنها اعتداء صارخ على أقدس حقوقنا ، إنها ليست انتدابا ولا حماية ، بل هي حكم إنكليزي استعماري مباشر فوق العرب والمسلمين في هذه البلاد العربية المقدسة.»
واندفاع الاستقلاليين من القوميين العرب ، والمتحمسين من جيل الشباب في الحركة الوطنية ، المتأثرين بالمزاج الشعبي الساخط ، وبالتالي الداعين إلى مقاومة الانتداب باعتباره احتلالا عسكريا مباشرا ، ومدخلا لإقامة الدولة اليهودية ، سبب إحراجا للجنة التنفيذية التي لم تكن متحمسة لفتح الصراع مع بريطانيا. وقد عبّر جمال الحسيني ، المقرب من الحاج أمين وموسى كاظم الحسيني ، عن موقف تلك اللجنة (٢ آذار / مارس ١٩٣١ م) بقوله : «إن القضية الفلسطينية ذات صبغة تختلف عن بقية القضايا الوطنية العربية. إذ لدينا في فلسطين خصمان : الأول الخصم الصهيوني ، وهو الذي يسعى سعيا حثيثا لاستيطان فلسطين وإخراج العرب منها ، وهذا خطر مفاجىء لا يمكن الصبر عليه ، وهو خاص بفلسطين .. أمّا الخطر الاستعماري وهو الثاني فإن المستعمرين يقولون بموجب صك الانتداب المعمول به والذي رفضته الأمة ، إنهم في هذه البلاد وقت محدود ، فلذلك اتجهت الأمة للخطر المفاجىء ، وهو الخطر الأكبر ، وأجّلت السعي لدفع الخطر الآخر بصورة جدية ... إن جهود الأمة بعد القضاء على الصهيونية ستنصرف إلى إنهاء الانتداب وضم فلسطين في حلف عربي وافقت عليه جميع الأمم العربية.» [١]
فاللجنة التنفيذية المنبثقة من المؤتمر السابع سنة ١٩٢٨ م ، ظلت على العموم متمسكة بقراراته ، وبناء عليه ، تابعت عملها في محاولة إقناع حكومة الانتداب بالعدول عن سياستها المؤيدة للمشروع الصهيوني ، والمبادرة إلى إقامة حكومة وطنية برلمانية ، تنفيذا للحكم الذاتي الوارد في صك الانتداب. وناشدت اللجنة حكومة الانتداب (٣ كانون الثاني / يناير ١٩٢٩ م) «اتباع سياسة رشيدة تخول العرب حقهم في إدارة بلادهم
[٤٣] المصدر نفسه ، المجلد الثالث ، ص ٥٣٤ ـ ٥٣٥.