الموجز في تاريخ فلسطين السياسي - إلياس شوفاني - الصفحة ٣٨٥ - خامسا الانتداب يرعى الاستيطان
وقال : «إن توزيع الدول الكبرى للانتدابات ليس قانونيا ، ولا يمكن الاعتراف به.» وأيّد مندوب بلجيكا (هيماش) ذلك معلنا أن المجلس الأعلى للحلفاء خالف ميثاق عصبة الأمم وأحكام القانون عندما وزع الانتدابات بين بعض أعضائه. وأكد رجل القانون الدولي ، فوشيل ، «أن اختيار الدول المتحالفة الكبرى بريطانيا العظمى للانتداب على فلسطين قد جرى خلافا لأحكام ونص المادة ٢٢ من ميثاق العصبة. فهو إذن باطل من الوجهة القانونية ولا يقام له وزن.» [١]
وصك الانتداب الذي صاغته حكومة بريطانيا ، يتضمن في ديباجته وعد بلفور. وقد واجهت صيغته معارضة قوية داخل الحكومة ، فكان من أشد المعترضين عليه وزير الخارجية اللورد كيرزون. وتعليقا على مهمة الانتداب في تهيئة فلسطين ، سياسيا وإداريا واقتصاديا ، لإنشاء «وطن قومي يهودي» ، قال كيرزون : «إن الصهاينة يعملون على إقامة دولة يهودية يكون العرب فيها حطابين وسقائين وكذلك الكثيرون من المتعاطفين البريطانيين مع الصهاينة.» وأكد وزير الخارجية البريطاني : «إن أحدا لم يستشرني أبدا فيما يتعلق بصك الانتداب هذا في مرحلة سابقة ، ولا أدري من أي مفاوضات ينبع أو على أي تعهدات يستند .. إنني أعتقد أن المفهوم بأكمله خاطىء.» وأضاف كيرزون بلهجة ساخرة : «هنا بلد به ٠٠٠ ، ٥٨٠ عربي و ٠٠٠ ، ٣٠ يهودي ... وانطلاقا من مبادىء تقرير المصير النبيلة وانتهاء بنداء رائع موجه إلى عصبة الأمم ، نشرع الآن في وضع وثيقة تمثل ... دستورا معلنا لدولة يهودية. ولا يسمح حتى للعرب المساكين إلّا بأن ينظروا من ثقب المفتاح بوصفهم طائفة غير يهودية.» [٢]ولدى مناقشة صك الانتداب في مجلس اللوردات ، كانت الأغلبية ضد تضمينه وعد بلفور. وردّا على مداخلة اللورد بلفور ، التي دافع فيها عن سياسته الموالية للصهيونية والداعمة لمطالبها ، قال اللورد سيدنهام : «إن الضرر الناجم عن إلقاء شعب أجنبي على عربي ـ والعرب في كل مكان بالمنطقة الخلفية ـ قد لا يعالج أبدا ... فما فعلناه بتنازلاتنا لا للشعب اليهودي وإنما لقطاع متطرف صهيوني ، هو أننا بدأنا قرحا نازفا في المشرق ، ولا أحد يدري إلى أي مدى سيمتد هذا القرح.» [٣] وقد صوت مجلس اللوردات بإلغاء وعد بلفور من صك الانتداب ، لكن مجلس العموم ثبته في ديباجة ذلك الصك ، فقبلته الحكومة ، وأصبح الأساس لسياستها الرسمية. وبناء
[١٥] «الموسوعة الفلسطينية» ، القسم العام ، المجلد الأول (دمشق ، ١٩٨٤) ، ص ٣١٠ ـ ٣١١.
[١٦] الأمم المتحدة ، مصدر سبق ذكره ، ص ٣٥ ـ ٣٦.
[١٧] المصدر نفسه ، ص ٣٨.