الرحلة الورثيلانيّة - الحسين بن محمّد الورثيلاني - الصفحة ٧٨ - ترجمة المصنف
سيرها ، أو البرق في خفة أمرها ، ولم يسأم الناس مما لقوا من النصب والتعب لشدة الفرح ، الذي استولى على الترح ، وقد خف بعض ذلك بل أزاله من أصله وإذا عمرت القلوب بالمسرات ، ذهلت الأجسام عما تلاقي من المضرات ، وإذا تنعمت بروح القرب الأرواح ، لم تبال بما حصل من المشقة الأشباح ، وأي مسرة أعظم من الدنو من دار الحبيب الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأي لذة أهنأ وأتم من رؤية حضرته صلى الله عليه وسلم والوقوف عند روضته التي هي غاية المنى والسؤل ، فلعمري لقد انتعشت الأجسام بعد ما ذبلت ، وطلعت شمس الأفراح بعد ما افلت ، وانبسطت أنوارها من القلوب إلى الوجوه فأشرقت ، وسرى أجلالها وأعظامها من الأفئدة إلى الرؤوس فأطرقت ، وظهر أثر النشاط والمراح في الركائب فأسرعت ، وخبئت من دون حاد ولا سائق وأوضعت ، وكأن ما ينالها من سموم النصب ولهيب التعب نسيم السحر ، وكأن عرفها السائل مع الأعناق بليل المطر ، لا تلوي إلى سمرة خضراء ، ولا تألو ما أسرعت في موماة غبراء.
قال أبو سالم وعند ما شاهدت من صنيعها الغريب ما شهدت ترنمت ، فوق الأكوار وأنشدت :
| خليلي ما للعيس في سيرها تعدو | ومن قبل اعيت من يسوق ومن يحدو | |
| أظن لها علما يقينا بأنها | لقبر رسول الله قد أصبحت تغدو | |
| لذلك لم تجزع لحر أصابها | كما جزعت بالأمس إذ مسها الجهد | |
| فلا تعجبوا من علمها باقترابها | وليس لها بالدار من قبل ذا عهد | |
| ففضل رسول الله في الكون ظاهر | اقرت به العجماء والحجر الصلد | |
| وأنوار أرض حلها قد تلألأت | أحست بها الأبصار والعظم والجلد | |
| دنت فدنت أعلامها فبدالنا | من الشوق في الاحشاء ما لم يكن يبدو |