الأمصار ذوات الآثار - شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي - الصفحة ٧٦ - الافتتاحية
وطريقة حسنة ، ومن أعظم تلك الوسائل والطرائق إقامتهم للمراكز العلمية العظيمة من مدارس ومكتبات ، ولم أر بعد تتبع دقيق ذكرا لمدرسة بنيت في العهد الأول لبني العباس ، أما المكتبات فقد وجدت واشتهرت ، فقد كان للخليفة المنصور خزانة كتب كبيرة ، وهي لا تذكر أمام المكتبة العظيمة التي أسسها هارون الرشيد ـ فيما قيل ـ وعمل ابنه المأمون على توسعتها ، وجلب المجموعات الكبيرة من الكتب إليها ، وكانت تسمى ببيت الحكمة ، وقد حرص المأمون على تزويدها بكل كتاب يعلم وجوده على ظهر البسيطة ، سواء كان في علوم الشريعة ، أو العلوم الأخرى المفيدة ، والمذمومة ، ويقول القلقشندي في هذه المكتبة : «ويقال إن أعظم خزائن الكتب في الإسلام ثلاث خزائن : إحداها : خزانة الخلفاء العباسيين ببغداد ، فكان فيها من الكتب ما لا يحصى كثرة ، ولا يقوّم عليه نفاسة ، ولم تزل على ذلك إلى أن دهمت التتر بغداد ، وقتل ملكهم هولاكو المستعصم آخر خلفائهم ببغداد ، فذهبت خزانة الكتب فيما ذهب ، وذهبت معالمها ، وأعفيت آثارها» [١].
كما كان للمأمون خزانة كتب خاصة به.
أما في العصر الثاني لبني العباس فقد كان للخليفة المعتضد بالله ، والخليفة المقتدي بأمر الله ، والخليفة الراضي [٢] بالله ، والخليفة الناصر لدين الله خزائن كتب.
وكان الخليفة الناصر لدين الله قد أنشأ من خزانته المذكورة ثلاث خزائن ، فوقف واحدة منها على المدرسة النّظامية ببغداد ، وأخرى على الرباط [٣] الخاتوني السّلجوقي ببغداد ، وثالثة على دار المسنّاة [٤] ببغداد أيضا ؛ كما أنشأ خزانة كبيرة في رباط بناه بالحريم الطاهري ببغداد.
[١] صبح الأعشى ١ / ٤٦٦.
[٢] وكان عند الأمير هارون بن المقتدر أخي الراضي بالله وعامل فارس مكتبة عظيمة.
[٣] بنى هذا الرباط الخليفة الناصر عند تربة زوجته سلجوقة خاتون.
[٤] بنى هذه الدار الخليفة الناصر أيضا.