الأمصار ذوات الآثار - شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي - الصفحة ٧٥ - الافتتاحية
يستغنون عن المكتبات ، أو عن الاعتماد على الكتب ، قال الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ عقب ذكره لتراجم حفاظ الطبقة الرابعة الذين شرع في عهدهم بتدوين السنن ، وجمع الفروع ، وتصنيف العربية : «ثم كثر ذلك ـ (أي التصنيف) ـ في أيام الرشيد ، وكثرت التصانيف ، وألّفوا في اللغات ، وأخذ حفظ العلماء ينقص ، ودوّنت الكتب ، واتكلوا عليها ، وإنما كان قبل ذلك علم الصحابة والتابعين في الصدور فهي كانت خزائن العلم لهم رضي الله عنهم» [١].
وسأقوم في هذا المبحث إن شاء الله تعالى بإلقاء الضوء على تلك الجهود الخيّرة التي قام بها حكام المسلمين ، وعلماؤهم ، خدمة للعلم وأهله ، ورغبة في نشره وإذاعته.
ولا يخفى ما في هذا الموضوع من سعة ، وتشعب ، يضطران الباحث فيه إلى جعله أقساما أو فصولا تمنع من التداخل ، وتساعد على التنظيم والترتيب.
والتقسيم الذي يتناسب مع ما سبق من بحوث هذه المقدمة هو تنظيم المعلومات الواردة في هذا المبحث على الدول الإسلامية في المشرق ، وفي الشام ومصر ، وفي المغرب والأندلس.
(١) دول المشرق :
وأبدأ بذكر اهتمام الخلفاء بإنشاء المراكز العلمية ، وأتبعه ببيان اهتمام الملوك والسلاطين ، ثم الوزراء والأمراء والكبراء ، ثم العلماء بهذا الأمر.
(أ) حرص الخلفاء على تشييد المراكز العلمية : لقد شهدت مدينة السلام (بغداد) منذ تأسيسها تقدما حضاريا ، ونهضة علمية رفيعة ، فكانت منارة ، وقبسا لذوي النّهى والألباب ، ولم يكن ذلك متحققا لولا عناية الخلفاء بالعلوم ، وارتشافهم من معينها العذب ، وتطلعهم إلى نشرها بكل وسيلة نبيلة ،
[١] ١ / ١٦٠.