الأمصار ذوات الآثار - شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي - الصفحة ٥٦ - الافتتاحية
الطويلة شعورهم ، رواد الآفاق ، وقطاع المسافات ، تارة بالعراق ، وتارة بالحجاز ، وتارة بالشام ، وتارة باليمن ، فهؤلاء نقلة الحديث» [١].
وقال محمد بن سلّام الجمحي : «قيل للمنصور : هل بقي من لذات الدنيا شيء لم تنله؟ قال : بقيت خصلة أن أقعد في مصطبة وحولي أصحاب الحديث ، يقول المستملي : من ذكرت رحمك الله قال : فغدا عليه الندماء ، وأبناء الوزراء بالمحابر ، والدفاتر ، فقال : لستم بهم ، إنما هم الدّنسة ثيابهم ، المشققة أرجلهم ، الطويلة شعورهم ، برد الآفاق ، ونقلة الحديث» [٢].
بل إن المنصور أوصى ابنه المهدي بتلقي الحديث ونقله ، ومجاورة أهله فقال : «يا بني لا تجلس مجلسا إلا وعندك من أهل الحديث من يحدثك ، فإن الزهري قال : علم الحديث ذكر لا يحبه إلا ذكران الرجال ، ولا يكرهه إلا مؤنثوهم ، وصدق أخو زهرة» [٣].
والمهدي بن المنصور روى الحديث ، وروي عنه.
وهارون الرشيد طلب العلم ، واهتم به قبل الخلافة ، وبعدها ، قال القاضي الفاضل في بعض رسائله : «ما أعلم أن لملك رحلة قط في طلب العلم إلا للرشيد ، فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على مالك رحمه الله ... ثم رحل لسماعه السلطان صلاح الدين بن أيوب إلى الإسكندرية ... ولا أعلم لهما ثالثا» [٤].
والمأمون طلب العلم من صغره ، وسمع الحديث من جماعة من الأئمة ، وكان أعلم خلفاء بني العباس ، فصيحا ، فقيها ، بارعا في العربية ، وأيام الناس ، وعني بعلوم الأوائل ، وكانت عنده حافظة قوية مستحضرة ، فقد قال
[١] البداية والنهاية ١٠ / ١٢٦.
[٢] تاريخ الخلفاء ١٧٧.
[٣] البداية والنهاية ١٠ / ١٢٦.
[٤] تاريخ الخلفاء ١٩٥.