الأمصار ذوات الآثار - شمس الدين محمّد بن أحمد بن عثمان الذّهبي - الصفحة ٥٥ - الافتتاحية
الله ، والمتوكل على الله بن يعقوب بن المتوكل على الله [١].
وقبل الانتقال إلى بيان فشو العلم وشيوعه في باقي الملوك ، والخلفاء ، والحكام في ديار الإسلام أجدني مضطرا لإظهار وبيان اهتمام الخلفاء الأمويين ، والعباسيين بعلم الحديث خاصة ، لأنه هو لب هذه المقدمة ، وأساسها ، وسأفعل مثل ذلك إن شاء الله تعالى في كل دولة يتيسر لي معلومات عن اهتمام أصحابها بعلم الحديث.
فالأمويون برز فيهم علماء كبار في الحديث ، وهم معاوية بن أبي سفيان ـ وناهيك به ـ وعبد الملك بن مروان ، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، ولا حاجة لتفصيل أمرهم في ذلك لأنهم عاشوا في عهد كان هذا العلم فيه رأس العلوم.
وأما العباسيون فقد اهتم كثير من خلفائهم بعلم الحديث ، وأولوه عظيم عنايتهم : فأبو جعفر المنصور كان طلّابة للعلم ، والحديث قبل الخلافة ، قال الصولي : «كان المنصور أعلم الناس بالحديث ، والأنساب ، مشهورا بطلبه» [٢] ، وقال ابن كثير : «كان المنصور في شبيبته يطلب العلم من مظانه ، والحديث ، والفقه ، فنال جانبا جيدا ، وطرفا صالحا ، وقد قيل له يوما : يا أمير المؤمنين هل بقي شيء من اللذات لم تنله؟ قال : شيء واحد ، قالوا : وما هو؟ قال : قول المحدث للشيخ : من ذكرت [٣] رحمك الله؟ فاجتمع وزراؤه وكتابه ، وجلسوا حوله وقالوا : ليمل علينا أمير المؤمنين شيئا من الحديث ، فقال : لستم بهم ، إنما هم الدّنسة ثيابهم ، المشققة أرجلهم ،
[١] من رام تفصيل ذلك فلينظر تاريخ الخلفاء للسيوطي.
[٢] تاريخ الخلفاء ١٧٩.
[٣] كان من عادة أئمة الحديث إذا جلسوا للإملاء أن يستفتح المستملي المجلس بالبسملة والحمدلة ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يقبل على المحدث ويقول : من ذكرت رحمك الله ، أو نحوه فيبدأ الشيخ بالإملاء. انظر علوم الحديث لابن الصلاح ٢١٩.