إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٨ - و أما الامام أحمد بن حنبل و سفيان الثوري
كله،فلم يزل بعد ذلك يحيى الليل كله،و قال أنا أستحيي من اللّٰه سبحانه أن أوصف بما ليس فىّ من عبادته و أما زهده فقد روى عن الربيع بن عاصم قال:أرسلني يزيد بن عمر بن هبيرة فقدمت بأبي حنيفة عليه،فأراده أن يكون حاكما على بيت المال فأبى،فضربه عشرين سوطا.فانظر كيف هرب من الولاية و احتمل العذاب.قال الحكم بن هشام الثقفي :حدثت بالشام حديثا في أبي حنيفة أنه كان من أعظم الناس أمانة،و أراده السلطان على أن يتولى مفاتيح خزائنه أو يضرب ظهره فاختار عذابهم له على عذاب اللّٰه تعالى.و روى أنه ذكر أبو حنيفة عند ابن المبارك فقال:أ تذكرون رجلا عرضت عليه الدنيا بحذافيرها ففرّ منها!و روى عن محمد بن شجاع عن بعض أصحابه أنه قيل لأبي حنيفة:قد أمر لك أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور بعشرة آلاف درهم،قال:فما رضى أبو حنيفة،قال:فلما كان اليوم الذي توقع أن يؤتي بالمال فيه صلى الصبح ثم تغشي بثوبه فلم يتكلم،فجاء رسول الحسن بن قحطبة بالمال فدخل عليه فلم يكلمه، فقال بعض من حضر:ما يكلمنا إلا بالكلمة بعد الكلمة،أي هذه عادته،فقال ضعوا المال في هذا الجراب في زاوية البيت،ثم أوصى أبو حنيفة بعد ذلك بمتاع بيته،و قال لابنه:إذا مت و دفنتمونى فخذ هذه البدرة و اذهب بها إلى الحسن بن قحطبة فقل له:خذ وديعتك التي أودعتها أبا حنيفة .قال ابنه:ففعلت ذلك،فقال الحسن:رحمة اللّٰه على أبيك فلقد كان شحيحا على دينه.
و روى أنه دعي إلى ولاية القضاء فقال:أنا لا أصلح لهذا،فقيل له:لم ؟فقال:إن كنت صادقا فما أصلح لها،و إن كنت كاذبا فالكاذب لا يصلح للقضاء .
و أما علمه بطريق الآخرة و طريق أمور الدين و معرفته باللّٰه عزّ و جل،فيدل عليه شدة خوفه من اللّٰه تعالى و زهده في الدنيا.و قد قال ابن جريج:قد بلغني عن كوفيّكم هذا النعمان ابن ثابت أنه شديد الخوف للّٰه تعالى.و قال شريك النخعي:كان أبو حنيفة طويل الصمت دائم الفكر ،قليل المحادثة للناس.فهذا من أوضح الأمارات على العلم الباطني،و الاشتغال بمهمات الدين ،فمن أوتي الصمت و الزهد فقد أوتي العلم كله.فهذه نبذة من أحوال الأئمة الثلاثة
و أما الامام أحمد بن حنبل و سفيان الثوري
رحمهما اللّٰه تعالى فأتباعهما أقلّ من أتباع هؤلاء، و سفيان أقلّ أتباعا من أحمد،و لكن اشتهارهما بالورع و الزهد أظهر .و جميع هذا الكتاب