إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٦ - الرابع-أن تنتهي قوة تلك الغريزة إلى أن يعرف عواقب الأمور
الثاني-هي العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميز
بجواز الجائزات و استحالة المستحيلات :كالعلم بأن الاثنين أكثر من الواحد،و أن الشخص الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد،و هو الذي عناه بعض المتكلمين حيث قال في حد العقل:إنه بعض العلوم الضرورية كالعلم بجواز الجائزات و استحالة المستحيلات.و هو أيضا صحيح في نفسه،لأن هذه العلوم موجودة،و تسميتها عقلا ظاهر،و إنما الفاسد أن تنكر تلك الغريزة و يقال:لا موجود إلا هذه العلوم
الثالث-علوم تستفاد من التجارب بمجاري الأحوال
،فان من حنكته التجارب و هذبته المذاهب يقال إنه عاقل في العادة،و من لا يتصف بهذه الصفة فيقال إنه غبي غمر جاهل ،فهذا نوع آخر من العلوم يسمى عقلا
الرابع-أن تنتهي قوة تلك الغريزة إلى أن يعرف عواقب الأمور
،و يقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة و يقهرها،فإذا حصلت هذه القوة سمى صاحبها عاقلا،من حيث إن إقدامه و إحجامه بحسب ما يقتضيه النظر في العواقب لا بحكم الشهوة العاجلة،و هذه أيضا من خواص الإنسان التي بها يتميز عن سائر الحيوان. فالأول هو الأس و السنخ و المنبع،و الثاني هو الفرع الأقرب إليه ،و الثالث فرع الأول و الثاني،إذ بقوة الغريزة و العلوم الضرورية تستفاد علوم التجارب،و الرابع هو الثمرة الأخيرة و هي الغاية القصوى،فالأولان بالطبع، و الأخيران بالاكتساب،و لذلك
قال علىّ كرم اللّٰه وجهه:
رأيت العقل عقلين
فمطبوع و مسموع
و لا ينفع مسموع
إذا لم يك مطبوع
كما لا تنفع الشمس
وضوء العين ممنوع
و الأول هو المراد
بقوله صلّى اللّٰه عليه و سلم:[١] «ما خلق اللّٰه عزّ و جلّ خلقا أكرم عليه من العقل» و الأخير هو المراد
بقوله صلّى اللّٰه عليه و سلم[٢] «إذا تقرّب النّاس بأبواب البرّ و الأعمال الصّالحة فتقرّب أنت بعقلك»