إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٥ - فان قلت تعلّم الجدل و الكلام مذموم
[١]و نهاهم عن الكلام في القدر و قال:أمسكوا عن القدر» و على هذا استمر الصحابة رضى اللّٰه عنهم فالزيادة على الأستاذ طغيان و ظلم،و هم الأستاذون و القدوة، و نحن الاتباع و التلامذة و أما الفرقة الأخرى فاحتجوا بأن قالوا:إن المحذور من الكلام إن كان هو لفظ الجوهر و العرض.و هذه الاصطلاحات الغريبة التي لم تعهدها الصحابة رضي اللّٰه عنهم فالأمر فيه قريب،إذ ما من علم إلا و قد أحدث فيه اصطلاحات لأجل التفهيم كالحديث و التفسير و الفقه ،و لو عرض عليهم عبارة النقض و الكسر و التركيب و التعدية و فساد الوضع،الى جميع الاسئلة التي تورد على القياس،لما كانوا يفقهونه فاحداث عبارة للدلالة بها على مقصود صحيح كاحداث آنية على هيئة جديدة لاستعمالها في مباح.
و إن كان المحذور هو المعنى فنحن لا نعني به الا معرفة الدليل على حدوث العالم و وحدانية الخالق و صفاته كما جاء في الشرع،فمن أين تحرم معرفة اللّٰه تعالى بالدليل؟ و إن كان المحذور هو التشعب و التعصب و العداوة و البغضاء و ما يفضي إليه الكلام، فذلك محرم،و يجب الاحتراز عنه،كما أن الكبر و العجب و الرياء و طلب الرئاسة مما يفضي إليه علم الحديث و التفسير و الفقه،و هو محرم يجب الاحتراز عنه،و لكن لا يمنع من العلم لأجل أدائه إليه و كيف يكون ذكر الحجة و المطالبة بها و البحث عنها محظورا و قد قال اللّٰه تعالى (قُلْ هٰاتُوا بُرْهٰانَكُمْ) .و قال عز و جل: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) .و قال تعالى: (إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطٰانٍ بِهٰذٰا) -أي حجة و برهان.و قال تعالى:
(قُلْ فَلِلّٰهِ الْحُجَّةُ الْبٰالِغَةُ) -و قال تعالى: (أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرٰاهِيمَ فِي رَبِّهِ) إلى قوله:
(فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) إذ ذكر سبحانه احتجاج إبراهيم و مجادلته و افحامه خصمه في معرض الثناء عليه.و قال عز و جل: (وَ تِلْكَ حُجَّتُنٰا آتَيْنٰاهٰا إِبْرٰاهِيمَ عَلىٰ قَوْمِهِ) :و قال تعالى: (قٰالُوا يٰا نُوحُ قَدْ جٰادَلْتَنٰا فَأَكْثَرْتَ جِدٰالَنٰا) و قال تعالى في قصة فرعون : (وَ مٰا رَبُّ الْعٰالَمِينَ) إلى قوله: (أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ) و على الجملة فالقرآن من أوله إلى آخره محاجة مع الكفار.فعمدة أدلة المتكلمين في