إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩١ - الوظيفة العاشرة
لا على قصد الامتثال و العبودية بل لغرض عاجل،فهو من أصحاب الشمال،و من الضالين ،فله نزل من حميم و تصلية جحيم و اعلم أن هذا هو حق اليقين عند العلماء الراسخين،أعنى أنهم أدركوه بمشاهدة من الباطن هي أقوى و أجلى من مشاهدة الأبصار،و ترقوا فيه عن حد التقليد لمجرد السماع،و حالهم حال من أخبر فصدّق،ثم شاهد فحقق،و حال غيرهم حال من قبل بحسن التصديق و الايمان و لم بحظ بالمشاهدة و العيان.فالسعادة وراء علم المكاشفة،و علم المكاشفة وراء علم المعاملة التي هي سلوك طريق الآخرة.و قطع عقبات الصفات و سلوك طريق محو الصفات المذمومة وراء علم الصفات.و علم طريق المعالجة و كيفية السلوك في ذلك وراء علم سلامة البدن،و مساعدة أسباب الصحة و سلامة البدن بالاجتماع و التظاهر و التعاون الذي يتوصل به إلى الملبس و المطعم و المسكن، و هو منوط بالسلطان،و قانونه في ضبط الناس على منهج العدل و السياسة في ناصية الفقيه.
و أما أسباب الصحة ففي ناصية الطبيب.و من قال:العلم علمان:علم الأبدان و علم الأديان،و أشار به إلى الفقه ،أراد به العلوم الظاهرة الشائعة لا العلوم العزيزة الباطنة فان قلت:لم شبهت علم الطب و الفقه باعداد الزاد و الراحلة؟ فاعلم أن الساعي إلى اللّٰه تعالى لينال قربه هو القلب دون البدن،و لست أعنى بالقلب اللحم المحسوس،بل هو سر من أسرار اللّٰه عز و جل لا يدركه الحس،و لطيفة من لطائفه تارة يعبر عنه بالروح،و تارة بالنفس المطمئنة .و الشرع يعبر عنه بالقلب لأنه المطية الأولى لذلك السر،و بواسطته صار جميع البدن مطية و آلة لتلك اللطيفة.و كشف الغطاء عن ذلك السر من علم المكاشفة،و هو مضنون به بل لا رخصة في ذكره.و غاية المأذون فيه أن يقال:هو جوهر نفيس و در عزيز أشرف من هذه الأجرام المرئية،و إنما هو أمر إلهى،كما قال تعالى: (وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) و كل المخلوقات منسوبة إلى اللّٰه تعالى ،و لكن نسبته أشرف من نسبة سائر أعضاء البدن،فلله الخلق و الأمر جميعا،و الأمر أعلى من الخلق،و هذه الجوهرة النفيسة الحاملة لأمانة اللّٰه تعالى المتقدمة بهذه الرتبة على السموات و الأرضين و الجبال إذ أبين أن يحملنها و أشفقن منها،من عالم الأمر.و لا يفهم من هذا أنه تعريض بقدمها،فان القائل بقدم الأرواح مغرور جاهل لا يدرى ما يقول.فلنقبض عنان البيان عن هذا الفن ،فهو وراء ما نحن