إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٠ - الوظيفة العاشرة
إلا الأقلون.و العلوم بالإضافة إلى سعادة لقاء اللّٰه سبحانه و النظر إلى وجهه الكريم ،أعنى النظر الذي طلبه الأنبياء و فهموه دون ما يسبق إلى فهم العوام و المتكلمين،على ثلاث مراتب،تفهمها بالموازنة بمثال:و هو أن العبد الذي علق عتقه و تمكينه من الملك بالحج و قيل له:إن حججت و أتممت وصلت إلى العتق و الملك جميعا،و إن ابتدأت بطريق الحج و الاستعداد له و عاقك في الطريق مانع ضروري فلك العتق و الخلاص من شقاء الرق فقط دون سعادة الملك،فله ثلاثة أصناف من الشغل:(الأول)تهيئة الأسباب بشراء الناقة و خرز الرواية و إعداد الزاد و الراحلة.
و(الثاني)السلوك و مفارقة الوطن بالتوجه إلى الكعبة منزلا بعد منزل.و(الثالث)الاشتغال بأعمال الحج ركنا بعد ركن،ثم بعد الفراغ و النزوع عن هيئة الإحرام و طواف الوداع استحق التعرض للملك و السلطنة.و له في كل مقام منازل،من أول إعداد الأسباب إلى آخره،و من أول سلوك البوادي إلى آخره،و من أول أركان الحج إلى آخره.و ليس قرب من ابتدأ بأركان الحج من السعادة كقرب من هو بعد في إعداد الزاد و الراحلة،و لا كقرب من ابتدأ بالسلوك،بل هو أقرب منه.فالعلوم أيضا ثلاثة أقسام:قسم يجرى مجرى إعداد الزاد و الراحلة و شراء الناقة،و هو علم الطب و الفقه و ما يتعلق بمصالح البدن في الدنيا.و قسم يجرى مجرى سلوك البوادي و قطع العقبات،و هو تطهير الباطن عن كدورات الصفات و طلوع تلك العقبات الشامخة التي عجز عنها الأولون و الآخرون إلا الموفقين،فهذا سلوك الطريق،و تحصيل علمه كتحصيل علم جهات الطريق و منازله.و كما لا يغنى علم المنازل و طرق البوادي دون سلوكها، كذلك لا يغنى علم تهذيب الأخلاق دون مباشرة التهذيب،و لكن المباشرة دون العلم غير ممكن.و قسم ثالث يجرى مجرى نفس الحج و أركانه،و هو العلم باللّٰه تعالى و صفاته و ملائكته و أفعاله و جميع ما ذكرناه في تراجم علم المكاشفة،و هاهنا نجاة و فوز بالسعادة،و النجاة حاصلة لكل سالك للطريق إذا كان غرضه المقصد الحق و هو السلامة.و أما الفوز بالسعادة فلا يناله إلا العارفون باللّٰه تعالى،و هم المقربون المنعمون في جوار اللّٰه تعالى بالرّوح و الريحان و جنة النعيم.و أما الممنوعون دون ذروة الكمال فلهم النجاة و السلامة ،كما قال اللّٰه عز و جل: (فَأَمّٰا إِنْ كٰانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَ رَيْحٰانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ، وَ أَمّٰا إِنْ كٰانَ مِنْ أَصْحٰابِ الْيَمِينِ فَسَلاٰمٌ لَكَ مِنْ أَصْحٰابِ الْيَمِينِ) .و كل من لم يتوجه إلى المقصد و لم ينتهض له،أو انتهض إلى جهته