آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ٨٤ - الباب العشرون القول في اجزاء النفس الانسانية وقواها
وكأن هذه الخمس هي منذرات تلك ، وكأن هؤلاء أصحاب أخبار ، كل واحد منهم موكل بجنس من الأخبار ، وبأخبار ناحية من نواحي المملكة. والرئيسة كأنها هي الملك الذي عنده تجتمع أخبار نواحي مملكته من أصحاب اخباره. والرئيسة من هذه أيضا هي في القلب [١].
والقوة المتخيلة ليس لها رواضع متفرقة في أعضاء أخر ، بل هي واحدة ، وهي أيضا في القلب ، وهي تحفظ المحسوسات بعد غيبتها عن الحس. وهي بالطبع حاكمة على المحسوسات ومتحكمة عليها ، وذلك أنها تفرد بعضها عن بعض ، وتركب بعضها إلى بعض ، تركيبات مختلفة ، يتفق في بعضها أن تكون موافقة لما حسّ ، وفي بعضها أن تكون مخالفة للمحسوس [٢].
وأما القوة الناطقة ، فلا رواضع ولا خدم لها من نوعها في سائر الأعضاء ، بل انما رئاستها على سائر القوى المتخيلة؛ والرئيسة من كل جنس فيه رئيس ومرءوس. فهي رئيسة القوة المتخيلة ، ورئيسة القوة الحاسة الرئيسة منها ، ورئيسة القوة الغاذية الرئيسة منها [٣].
والقوة النزوعية ، وهي التي تشتاق إلى الشيء وتكرهه؛ فهي رئيسة ، ولها خدم. وهذه القوة هي التي بها تكون الارادة. فان الارادة هي نزوع إلى ما أدرك وعن ما أدرك ، إما بالحس ، وإما
[١] القوة الحاسة رئيسها القلب أيضا وأعضاؤها الحواس الخمس ، تنقل أخبار العالم الخارجي إلى القلب.
[٢] القوة المتخيلة مركزها القلب ولا أعضاء لها ، تحفظ صور المحسوسات وتركبها.
[٣] القوة الناطقة مركزها القلب ، وهي ترأس الغاذية والمتخيلة والحاسة.