آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ٦٨ - الباب السادس عشر القول في الاحوال التي توجد بها الحركات الدورية؛ وفي الطبيعة المشتركة لها   
تحتها ، وتبعد أحيانا عنه ، وتظهر أحيانا وتستر أحيانا. فتلحقها هذه المتضادات لا في جواهرها ، ولا في الأعراض التي تقرب من جواهرها ، بل في نسبها ، وذلك مثل الطلوع والغروب ، فإنهما نسبتان لها إلى ما تحتها ، متضادتان. والجسم السماوي أول الموجودات التي تلحقها أشياء متضادة. وأول الأشياء التي يكون فيها تضادّ هي نسب هذا الجسم إلى ما تحته ، ونسب بعضها إلى بعض. وهذه المتضادات هي أخس المتضادات؛ والتضاد نقص في الوجود. فالجسم السمائي يلحقه النقص في أخس الأشياء التي شأنها أن توجد [١].
وللأجسام السماوية كلها أيضا طبيعة مشتركة ، وهي التي صارت تتحرك كلها بحركة الجسم الأول؛ منها حركة دورية في اليوم والليلة؛ وذلك أن هذه الحركة ليست لما تحت السماء الأولى قسرا ، إذ كان لا يمكن أن يكون في السماء شيء يجري قسرا [٢]. وبينها أيضا تباين في جواهرها من غير تضاد ، مثل مباينة زحل للمشتري ، وكل كوكب لكل كوكب ، وكل كرة لكل كرة [٣]. ثم يلحقها ، كما قلنا ، تضاد في نسبها ، وان تتبدل تلك النسب ومتضاداتها وتتعاقب عليها ، فتتخلى من نسبة ما وتصير إلى ضدها ، ثم تعود إلى ما كانت تخلت منه بالنوع لا بالعدد ، فيكون لها نسب تتكرر ، ويعود بعضها في مدة
[١] وتختلف أيضا في العرض فتسرع حول الأرض حينا وتبطئ حينا وتقترب من بعضها أو تبتعد وتظهر أحيانا وتستتر أحيانا.
[٢] للأجسام السماوية طبيعة مشتركة هي الحركة الدورية.
[٣] وهي تتباين في جواهرها من غير تضاد.