آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ٤٠ - الباب الخامس القول في ان وحدته عين ذاته وفي انه تعالى عالم وحكيم وانه حق وحي وحياة
كذلك قياس السبب الأول والعقل الأول والحق الأول ، وعقولنا نحن. ليس نقص معقوله عندنا لنقصانه في نفسه ، ولا عسر إدراكنا له لعسره في وجوده ، لكن لضعف قوى عقولنا نحن عسر تصوره [١].
فتكون المعقولات التي هي في أنفسنا ناقصة ، وتصورنا لها ضعيف. وهذا على ضربين : ضرب ممتنع من جهة ذاته أن يتصور فيعقل تصورا تاما لضعف وجوده ونقصان ذاته وجوهره ، وضرب مبذول من جهة فهمه وتصوره على التمام وعلى أكمل ما يكون. ولكن أذهاننا وقوى عقولنا ممتنعة ، لضعفها وبعدها عن جوهر ذلك الشيء ، من أن نتصوره على التمام وعلى ما هو عليه من كمال الوجود. وهذان الضربان كل واحد منهما هو من الآخر في الطرف الأقصى من الوجود : أحدهما في نهاية الكمال ، والآخر في نهاية النقص [٢].
ويجب إذا كنا نحن ملتبسين بالمادة ، كانت هي السبب في أن صارت جواهرنا جوهرا يبعد عن الجوهر الأول ، إذ كلما قربت
[١] يعسر علينا ادراك الله لشدة كماله وعظمته من جهة ولضعف قوى عقولنا وملامستها المادة من جهة ثانية.
[٢] تكون المعقولات في أنفسنا ناقصة لسببين ١) إما لضعف وجود المعقولات ونقصان جوهرها ٢) وإما لشدة تمامها.