آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ٣١ - الباب الثالث القول في نفي الضد عنه
وإن كان الأول له ضد فهو من ضده بهذه الصفة ، فيلزم أن يكون شأن كل واحد منهما أن يفسد ، وأن يمكن في الأول أن يبطل عن ضده ، ويكون ذلك في جوهره [١]. وما يمكن أن يفسد فليس قوامه وبقاؤه في جوهره ، بل يكون جوهره غير كاف في أن يبقى موجودا؛ ولا أيضا يكون جوهره كافيا في أن يحصل موجودا ، بل يكون ذلك بغيره. واما ما أمكن أن لا يوجد فلا يمكن أن يكون أزليا ، وما كان جوهره ليس بكاف في بقائه أو وجوده ، فلوجوده أو بقائه سبب آخر غيره ، فلا يكون أولا. وأيضا فإن وجوده إنما يكون لعدم ضده. فعدم ضده اذن هو سبب وجوده ، فليس إذن هو السبب الأول على الاطلاق [٢].
وأيضا فإنه يلزم أن يكون لهما أيضا حيث ما مشترك ، قابل لهما ، حتى يمكن بتلاقيهما فيه أن يبطل كل واحد منهما الآخر ، إما موضوع أو جنس أو شيء آخر غيرهما؛ ويكون ذلك ثابتا ، ويتعاقب هذان عليه. فلذلك إذن هو أقدم وجودا من كل واحد منهما [٣].
وإن وضع واضع شيئا غير ما هو بهذه الصفة ضدا لشيء ، فليس الذي يضعه ضدا ، بل مباينة أخرى سوى مباينة الضد؛ ونحن لا ننكر
[١] اذا كان الأول له ضد فتضادهما يكون في الجوهر ، ويلحقه البطلان والفساد.
[٢] وما كان جوهره غير كاف لوجوده أو بقائه يحتاج إلى سبب لوجوده فلا يكون أولا ثم لا يكون أزليا.
[٣] يلزم الضدين موضوع أو جنس يتعاقبان عليه ويكون هذا الموضوع أو الجنس أقدم منهما.