آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ١٤٠ - الباب الثاني والثلاثون القول في اهل هذه المدن
عليه؛ وكذلك المريض الذي يتألم متى تشاغل بأشياء ، إما أن يقل أذاه بألم المرض ، وإما أن لم يشعر بالأذى. فإذا انفرد دون الأشياء التي تشغله ، يشعر بالأذى أو عاد إليه الأذى؛ كذلك الجزء الناطق ، ما دام متشاغلا بما تورده الحواسّ عليه ، لم يشعر بأذى ما يقترن به من الهيئات الرديئة ، حتى اذا انفرد انفرادا تاما دون الحواس شعر بالأذى ، وظهر له أذى هذه الهيئات ، فبقي الدهر كله في أذى عظيم. فان ألحق به من هو في مرتبته من أهل تلك المدينة ، ازداد أذى كل واحد منهم بصاحبه؛ لأن المتلاحقين بلا نهاية تكون زيادات أذاهم في غابر الزمان بلا نهاية. فهذا هو الشقاء المضادّ للسعادة [١].
وأما أهل المدن الضالة ، فإن الذي أضلّهم وعدل بهم عن السعادة لأجل شيء من أغراض أهل الجاهلة وقد عرف السعادة ، فهو من أهل المدن الفاسقة؛ فذلك هو وحده دون أهل المدينة شقي. فأما أهل المدينة أنفسهم فانهم يهلكون وينحلون ، على مثال ما يصير إليه حال أهل الجاهلة [٢].
وأما أهل المدن المبدّلة ، فان الذي بدّل عليهم الأمر وعدل بهم ، إن كان من أهل المدن الفاسقة شقي هو وحده ، فأما الآخرون فانهم
[١] نفوس أهل المدن الفاسقة تبقى ولا تفنى ولكنها تعيش متألمة معذبة وهذا هو الشقاء.
[٢] مصير أهل المدن الضالة الهلاك والانحلال مثل أهل الجاهلة ، أما رئيسهم الذي أضلهم فمصيره الشقاء كأهل الفاسقة.