آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ١٤٩ - الباب الرابع والثلاثون القول في آراء اهل المدن الجاهلة والضالة
الطبيعية بطبائعها هي التي ينبغي أن تفعلها الحيوانات المختارة باختياراتها واراداتها ، والمرويّة برويتها. ولذلك رأوا أن المدن ينبغي أن تكون متغالبة متهارجة ، لا مراتب فيها ولا نظام ، ولا استئهال يختص به أحد لكرامة أو لشيء آخر؛ وأن يكون كل انسان متوحّدا بكل خير هو له ان يلتمس ان يغالب غيره في كل خير هو لغيره [١]، وان الانسان الأقهر لكل ما يناويه هو الأسعد [٢].
ثم تحدث من هذه آراء كثيرة في المدن من آراء الجاهلية : فقوم رأوا ذلك أنه لا تحاب ولا ارتباط ، لا بالطبع ولا بالارادة ، وأنه ينبغي أن يبغض كل انسان كل انسان ، وأن ينافر كلّ واحد كلّ واحد ، ولا يرتبط اثنان إلا عند الضرورة ، ولا يأتلفان إلا عند الحاجة ، ثم يكون (بعد) اجتماعهما على ما يجتمعان عليه بأن يكون أحدهما القاهر والآخر مقهورا ، وان اضطرّا لأجل شيء وارد من خارج أن يجتمعا ويأتلفا ، فينبغي أن يكون ذلك ريث الحاجة ، وما دام الوارد من خارج يضطرّهما إلى ذلك؛ فإذا زال فينبغي أن يتنافرا ويفترقا. وهذا هو الداء السبعيّ من آراء الانسانية [٣].
وآخرون ، لما رأوا أن المتوحد لا يمكنه أن يقوم بكل ما به إليه حاجة دون أن يكون له موازرون ومعاونون ، يقوم له كل واحد بشيء مما يحتاج إليه ، رأوا الاجتماع.
[١] لا نظام ولا مراتب في الموجودات.
[٢] الأقوى هو الأسعد.
[٣] لا ارتباط ولا تحاب بين البشر لا بالطبع ولا بالإرادة وإن شريعة الغاب هي السائدة بين الناس.