آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها - الفارابي، أبو نصر - الصفحة ١٤٥ - الباب الثالث والثلاثون القول في الأشياء المشتركة لاهل المدينة الفاضلة
الحق ، وجعل في مرتبة المقلّدين للحكماء؛ فان لم يقنع بذلك وتشوّق إلى الحكمة ، وكان في نيته ذلك ، علمها [١].
وصنف آخرون بهم أغراض ما جاهلة ، من كرامة ويسار أو لذّة في المال وغير ذلك ، ويرى شرائع المدينة الفاضلة تمنع منها ، فيعمد إلى آراء المدينة الفاضلة فيقصد تزييفها كلها ، سواء كانت مثالات للحق ، أو كان الذي يلقى إليه منها الحق نفسه. أما المثالات فتزييفها بوجهين : أحدهما بما فيه من مواضع العناد ، والثاني بمغالطة وتمويه. واما الحق نفسه فبمغالطة وتمويه؛ كل ذلك لئلا يكون شيء يمنع غرضه الجاهلي والقبيح. وهؤلاء ليس ينبغي أن يجعلوا أجزاء المدينة الفاضلة [٢].
وصنف آخر تتزيّف عندهم المثالات كلها لما فيها من مواضع العناد ، ولأنهم مع ذلك سيئو الإفهام ، يغلطون أيضا عن مواضع الحق من المثالات ، فيتزيّف منها عندهم ما ليس فيها موضع للعناد أصلا. فإذا رفعوا إلى طبقة الحق حتى يعرفوها ، أضلّهم سوء افهامهم عنه ، حتى يتخيلوا الحق على غير ما هو به ، فيظنّون أيضا أن الذي تصوروه هو الذي ادّعى الحق أنه هو الحق؛ فإذا تزيّف ذلك عندهم ، ظنوا أن الذي تزيّف هو الحق الذي يدعى أنه الحق لا الذي فهموه هم؛ فيقع لهم لأجل ذلك أنه لا حق أصلا ، وأن الذي يظنّ به أنه أرشد إلى الحق
[١] المسترشد المقلد للحكماء.
[٢] القاصد إلى تزييف الحقيقة من أهل المدن الجاهلة.