تنزيه الأنبياء عمّا نسب إليهم حثالة الأغبياء - ابن خمير - الصفحة ١٠٥ - الجواب عن «الكذبات» الثلاث
بِآلِهَتِنا)؟ فقال : (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا) ، وأشار إلى كبير الأصنام ، وهو قد شوّه صورته ، وسمل عينيه [١] وجدع أنفه ، ومقطوع به أنّه قال ذلك ليقيم الحجّة عليهم في نفي الإلهيّة عمّا اعتقدوه من الكواكب والأصنام ، فصارت هذه القولة في معناها ، تشبه تلك الأقوال الثّلاثة في الكواكب. فلمّا كانت الأقوال مع قوله في الصّنم على وجه واحد من إقامة الحجّة على مذهب الخصم ، ومقابلة الفاسد بالفاسد ، صارت كالواحدة في المعنى .. ثم أضاف لها القولتين المختلفتين ، في النّظر في النّجوم ، وقوله في أهله للملك الجبّار «هي أختي» ، فصارت ثلاثا [٢].
وأمّا الثالثة التي هي قوله للملك الذي أراد أن يأخذ منه أهله عنوة ، فسأله : ما هذه التي معك؟ فقال : هي أختي ، فكان قوله ذلك طمعا في تخليصها منه بهذه القولة ليقيم عذره عند الملك ، لكون الغيرة على الأخت ، آكد منها على الزّوج. فقال له ذلك لعلّه يتركها له ، كالّذي فعل. فلو قال هي زوجتي فربّما كان يقول له : انزل لي عنها أتملّكها على الوجه الذي كانت عندك. فلمّا كانت القولتان تخالف الواحدة التي اتّحدت مع الثلاث في إقامة الحجّة على الخصوم ، بعد تسليم مذهبهم لهم جدلا عدّ الكلّ ثلاثا ، لاتّحاد الأربعة الأقوال في المعنى.
الوجه الثاني : أن تكون القولات الثّلاث في الكواكب التي لم يعدها من الكذبات ، بأمر من الله تعالى ، أمر أن يقولها فقالها ولم يعدها كذبات لكونه مأمورا بها ، وتلك الثّلاث التي عدّها كانت عن نظره واجتهاده فأبهمها بأن رأى أنّ السّكوت عنها كان له أولى ، على ما قدّمناه في حقّهم من مراعاة الأولى.
(إِبْراهِيمُ. قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ. قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ. قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) [الأنبياء : ٢١ / ٥٩ ـ ٦٣].
[١] سمل عينيه : اقتلعهما.
[٢] انظر الحديث بتمامه في صحيح مسلم ٤ / ١٨٤٠.